قصيدة لمن نغني

تعود قصيدة "لمن نغني" للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وهو شاعر، وناقد، وصحفي مصري، ولد سنة 1935م بمدينة تلا بمحافظة المنوفية بمصر، وقد نال شهادةً في علم الاجتماع، وفي الدراسات المعمقة في الأدب العربي، وعمل في الصحافة مدير تحرير وكاتبًا، وعمل أستاذًا للغة العربية، كما يُعدُّ من رواد حركة التّجديد في الشّعر العربي المعاصر، إذ تبنى القصيدة المعاصرة وتبنى خصائصها الحديثة، مثل الحوار الدرامي فيها، وقد صدرَ أول ديوان له عام 1959م بعنوان "مدينة بلا قلب"، ومن دواوينه أيضًا ديوان "أوراس"، وديوان "لم يبقَ إلا الاعتراف"، ودواوين أخرى، كما أصدر عددًا من الدراسات النقدية منها عروبة مصر، وإبراهيم ناجي، وأحفاد شوقي وغيرها، وحصل على عدة جوائز في الشعر والأدب.[١][٢]


مناسبة ولمحة عن قصيدة لمن نغني

هي قصيدة من الشعر العربي الحر ذو التفعلية الواحدة، كتبها الشاعر عبد المعطي حجازي عام 1957م، حيث وضع بين أيدينا قصيدةً تحكي لنا عن معاناة الفلاح في الرّيف، واستغلال وهيمنة الإقطاعية، وتسلّط النّظام الإقطاعي على الأراضي الزّراعية، ومنابع وآبار المياه، مما حرم الفلاح من أبسط حقوقه المشروعة، وهو حق المياه، وفيها يدعو الشاعر الفلاحين والكادحين إلى النهوض من سباتهم، والمطالبة بحقوقهم ليعيشوا حياةً كريمةً.[٣]


الأفكار الرّئيسية في قصيدة لمن نغني

  • المقطع الشّعري الأول: تصوير معاناة الفلاحين، وسياسة الإقطاعيين، ومظاهر الاستغلال.
  • المقطع الشّعري الثاني: العتاب، وتصوير أسباب المعاناة من جهل الفلاح وعزلته، ونقص الوعي.
  • المقطع الشّعري الثّالث: دعوة الشاعر للفلاحين إلى الثورة على الإقطاعية، وأمل وتفاؤل بالحياة الكريمة.[٣]


شرح قصيدة لمن نغني

يستهلّ الشّاعر قصيدته بوصف المعاناة في الرّيف، وبين أعواد الذرة في الحقول حيث ولدت كلماته الشعرية التي تعبر عن ظلم النظام الإقطاعي، وقد شبه كتابة الشعر بالولادة في ظلم الليل، ويريد بالإشارة بالليل إلى الظلم والاستغلال، وينادي الشّاعر عود الذرة كأنه يخاطبه على أنه قوت الفلاحين، وطعامهم، وقد أصبحت أعواد الذرة كأنها حلم كما النّجم، ولكنه يصارع البقاء على خيط ماءٍ؛ وذلك لأن الإقطاعيين قد حبسوا الماء عن الفلاحين وعن زرعهم، فباتت أعواد الذرة كالنجوم مسجونة في خيط ماءٍ.


وهنا يكمن جمال الصورة في التشخيص والتجسيد، ويتابع الشّاعر في وصف معاناة الفلاحين وحقول الذرة الجافة من الماء، والتي لم تعد تفي بقوت الفلاحين، فقد جفّت من الماء كثدي أمٍّ انقطع فيه اللبن، وفي ذلك كناية عن الفقر والمعاناة، ثمّ يشبه الشاعر معاناة أعواد الذرة بمعاناة أطفال الفلاحين في سن العاشرة الذين يصارعون للبقاء على قيد الحياة، ومعاناتهم مستمرة عبر الزمن بما فيه من استغلال وحرمان، فيقول الشاعر:[٤][٣]

ُوِلدَتْ هنا كلماتُنا

وُلِدَتْ هنا في الليلِ يا عودَ الذُّرة

يا نجمةً مسجونةً في خيطِ ماء

يا ثديَ أمٍّ لَمْ يَعُدْ فيه لَبن

يا أيُّهَا الطفلُ الّذي مَا زالَ عندَ العَاشِرَة

لكنَّ عينيه تجوَّلتَا كثيراً في الزَّمن


في المقطع الثاني نرى الشاعر عبد المعطي حجازي يعاتب الإنسان الريفي البعيد المعزول، الذي فرض عليه واقعه هذه العزلة في الرّيف البعيد، وقد قيده البؤس، والجهل عن سماعِ الكلمات الموجه إليه، إذ يعاتبه الشاعر على أنه يسدّ السمع عن نداءاته وكلماته، ويجاهد الشاعر في دعوة الفلاح والكادح ليتبع كلمات شعره، ولو صدفة، ففي ثنياتها دعوة للثورة وسبيل لتحقيقها، فالكلمات التي لا تجد آذانًا لها تموت على الورق، وتضيع هباءً دون جدوى.


ويدعو الشاعر الفلاح ليبذل جهده في فهم كلماته حين قال "أسقط عليها قطرتين من العرق"، وفي ذلك يدعو الشاعر الفلاحين والكادحين إلى الاستيقاظ من العتمة، والخروج من قاع الجهل، ويشبِّه الكلمات بأحياء قد تموت إن لم تفهم؛ لأن الكلمات إن لم تلقَ لها سمعًا ضاعت وتبخرت في صمت الأفق، وهنا يشبّه الشاعر الأفق بالشيء الصامت الساكت الذي لا ينطق بشيءٍ، وبهذا يريد أن يشير إلى أنّ الكلمات تضيع وتصبح بلا معنى إن لم يُنْصَتْ إليها ويُفهم مغزاها، فيقول الشاعر واصفًا ذلك:[٥][٣]

يا أيُّهَا الإنسانُ في الرِّيفِ البعيد

يا مَنْ يُصمُّ السمعَ عن كلماتِنا

أدعُوكَ أنْ تَمْشِي على كلماتِنا، بالعينِ لو صادفْتَهَا

كيلا تموتَ على الورق

أسقطْ عليها قطرتين من العَرَق

كيلا تموت

فالصُّوتُ إنْ لمْ يلقَ أُذْنَاً ضَاعَ في صَمْتِ الأُفق


ثم يتابع الشاعر خطابه للفلاح، ويتساءل عن الطريق إلى قلب هذا الفلاح المعزول في غيابات الحقول وصمتها، وهنا يصّور الشّاعر قلب الفلاح بالمكان الذي له طريق يسير به الإنسان، كما يصوّر الحقولَ بأشياء صامتة لا تتحدث، ويتمنى الشّاعر آملًا بأن يسلك الطريق إلى قلب الفلاح مع نغمات النّاي التي تعبّر عن صوت الفلاح وألمه ومعاناته، فالشّاعر يتمنى أن يكون ذلك الناي الناطق بلحنه بيد الفلاح يعزف به تحت صفصافة وارفة الظّلال؛ أي من خلال شعره يريد أن يكون صوتًا لمعاناة الفلاحين.


فلو أنصت الفلاح إلى ناي الشّاعر، أي كلماته وشعره وفهم مغزاها، في لحظة الصّمت، وهي لحظة السّكوت عن الظّلم والاستبداد، فالشّاعر سيتلو على الفلاح حكاية الظّلم والاستبداد، وسيتجرد عن صمته، وكأنّه ناي يعزف معاناة الإنسان عبر العصور، ويصوّر آلامه، وحزنه، وظُلمه، وصراعه من أجل الحياة، وبالتالي سوف ينفض النّار في صدره، ويزيل الهموم عنه بصوت كلماته ونغمات نايه، وهنا يصور الشاعر الهموم والآلام والمعاناة كأنها نيران مشتعلة في الصدر، ويريد بها الشاعر إشعال الثّورة في صدر هذا الإنسان الحزين ليثورعلى الإقطاعيين، وليتحرر من ظلمهم واستبدادهم.


وتصبح نغمات الشاعر، وألحان نايه مفهومةً جليّة، وواضحة كالشمس على مسامع الفلاحين، وهنا يشبه كلماته ودعوته بنغمات الناي، والشاعر يتساءل متى يتحقق هذا الأمر، ومتى يتحرر حقلهم من أقدام المستبدين، وحينها تقامُ الأعراس والأفراح بهجةً بتوديع الألم، والحزن، والمعاناة، وسرورًا بعودة الحياة للفلاح والحقل، وهنا يبعث الشاعر الأمل بين كلماته، كما يشبه الألم والمعاناة بالشّخص الرّاحل الذي نودعه، فيقول عبد المعطي حجازي:[٦][٣]

أينَ الطَّريقُ إلى فؤادِكَ أيُّهَا المَنفِيُ في صمتِ الحقول

لو أنَّي نايٌ بكفكَ تحتَ صَفْصَافَة

أوراقُهُا في الأفقِ مروَحَةٌ

خضراءُ هفهافة

لأخذْتُ سمْعَكَ لحظةً في هذهِ الخلوة

وتلوتُ في هذا السكونِ الشاعريِّ حكايةَ الدُّّنيَا

ومعاركَ الإنسانِ، والأحزانِ فيَّ

ونفضْتُ كُلَّ النّارِ، كُلَّ النَّارِ في نفسِك

وصنعْتُ من نغمي كلاماً واضحاً كالشّمْسِ

عن حقلِنَا المفروشِ للأقدامِ

ومتَّى نقيمُ العُرْسَ؟

ونودّعُ الآلام!


العاطفة في قصيدة لمن نغني

تظهر القصيدة عاطفة الشّاعر الإنسانية الصّادقة تجاه مجتمعه، بما فيها من مشاعر الألم والحزن لمعاناة الفلاحين، لومهم على صمتهم، والغضب والحقد على الإقطاعيين المُستغلّين، ويختتم بمشاعر الأمل والتفاؤل في المقطع الأخير.[٣]

المراجع

  1. "أحمد عبد المعطي حجازي"، معرفة.
  2. "الحوار الشعري عند أحمد عبد المعطي حجازي"، منصة الصحيفة العلمية الجزائرية.
  3. ^ أ ب ت ث ج ح "قراءة في قصيدة: لمن نغني؟ لـ "أحمد عبد المعطي حجازي""، أقلام.
  4. أحمد عبد المعطي حجازي (1982)، ديوان أحمد عبد المعطي حجازي (الطبعة 3)، بيروت:العودة، صفحة 119.
  5. أحمد عبد المعطي حجازي، ديوان أحمد عبد المعطي حجازي (الطبعة 3)، بيروت:العودة، صفحة 120.
  6. أحمد عبد المعطي حجازي، ديوان أحمد عبد المعطي حجازي (الطبعة 3)، بيروت:العودة، صفحة 124-123.