تعود قصيدة رسالة إلى مدينة مجهولة للشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي، الذي ولد عام 1945م بمحافظة المنوفية، وقد نال على دبلوم المعلمين وعمل في الصّحافة، وكان مديرًا لتحرير القسم الثقافي في مجلة (روز اليوسف) في القاهرة، ثمّ نال شهادة في علم الاجتماع من جامعة السوربون في باريس، ودبلوم في الدراسات المعمقة في الأدب العربي، كما درس الشعر العربي في جامعات فرنسا، ثمّ عُين مديرًا لتحرير مجلة (صباح الخير) القاهريّة، وترأس مجلة (إبداع)، وشارك في تحرير صحيفة (الأهرام)، وكان عضو في نقابة الصحفيين المصرية، وعضو في لجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة، وعضو في المنظمة العربية لحقوق الإنسان. ومن مؤلفاته الشّعرية: (مدينة بلا قلب)، (أوراس)، (مرثية العمر الجميل)، (كائنات مملكة الليل)، (أشجار الإسمنت)، و(الأعمال الشعرية الكاملة).[١][٢]


مناسبة وبنية قصيدة رسالة إلى مدينة مجهولة

هي قصيدة من الشعر العربي الحر ذو التفعلية الواحدة، كتبها الشاعر عبد المعطي حجازي عام 1957م، حيث وضع بين أيدينا قصيدة حافلة بمعاني الغربة والضياع، معربًا عن حنينه إلى عالم مثالي مفقود، واعتمد الشاعر على الرؤية الشعريّة، وتوظيف الرموز، فكانت نموذجًا جيدًا لتكسير البنية، وتجديد الرؤية.


الأفكار الرئيسة في قصيدة رسالة إلى مدينة مجهولة

  • المقطع الأول: تعبير الشاعر عن رسالته الحزينة إلى أبيه الفقيد.
  • المقطع الثاني: حسرة الشاعر في المدينة الموحشة.
  • المقطع الثالث: صور من الزمن القديم حيث كان ينعم الشاعر بدفء الأبوّة الغامرة.
  • المقطع الرابع: قصة حبّ الشاعر.
  • المقطع الخامس: أمل الشاعر برؤية أبيه في المنام.


شرح أبيات قصيدة رسالة إلى مدينة مجهولة

يوجه الشاعر خطابه إلى أبيه الفقيد حيث يقيم في مدينةٍ مجهولة الطريق، ومجهولة العنوان، والدليل، إليه يوجه حديثه في مدينة الموتى فيصوّر المدينة رمزًا للموت والاغتراب بلا عنوانٍ ولا دليلٍ، حيث يوجه أولى رسائله، ولكنها رسالة كئيبة شديدة الحزن بلا حدٍ لهذا الحزن، وهي إشارة إلى أنّ الرسالة في مضامينها شديدة الحزن والكآبة والألم، وتُرمى الرسالة أمام هذه المدينة المجهولة من دون أي ردٍ، فوالده غارق في صمت الأموات.


فيصوّر الشاعر الصمت والموت كأنه بحر يغرق فيه الشخص، فوالده راقد في كفنه إلى الأبد، ولن يستطيع الرد على الرسالة، ولكن الشاعر يدعوه لأن يقرأ الرسالة وإن لم يستطع الرد عليها، فقد فاضت وجاشت الأشواق في قلب الشاعر، والشاعرُ يحن إلى الكلام القديم حيث كان اللقاء مع أبيه، ويتمنى أن يعود اللقاء ولو كان اللقاء في المنام. يقول الشاعر:[٣]

أبي

إليك حيث أنت

إليك في مدينة، مجهولة السبيل،

مجهولة العنوان والدليل

إليك في مدينة الموتى، إليك حيث أنت

أولى رسائلي،

وإنها رسالة حزينة حزينة

بغير حد!

لأنها سترتمي أمام هذه المدينة

بغير رد

يا غارقًا في الصمت، يا مكفّنًا به إلى الأبد

لن تستطيع أن ترد

فاقرأ رسالتي ولا ترد

وإن أهاجت شوقك القديم للكلام

هب لي لقاء في المنام


ويتابع الشاعر حديثه عن الشوق والحنين إلى والده الفقيد الذي ذهب دون وداعٍ، وقد حمل لحظة الفراق كلها معه كما حمل آلامه، وقد جعل الشاعر من لحظة الفراق وآلمها؛ كالشيء المادي الذي يُحمَل مع الإنسان، ثم تحبس الدمعة وذلك رمز لمحاولة الشاعر البائسة لإخفاء مواجعه وأحزانه، والشاعر يشبه الدمعة بالسجين الذي يُحبس في العين، والشاعر يستذكر ملامح وجه أبيه الصبور، يوم الفراق لما وافته المُنية، ولا يزال الشاعر يذكر والده كلما أراد أن يستلقي لينام فيرى أباه، ويتذكره كأنه بسمة في ظلمة الليل الموحش، وسواد الحزن والكآبة، وكأن ذكرى والده بسمة وشعلة تنير طريق الأيام، ومسالكه، وهي صورة فنية جميلة، وجمال هذه الذكرى يفرش الدرب بالسلام والاطمئنان فكأن رؤية أبيه تساعده على نسيان آلامه وأحزانه، وتنشر في قلبه السكينة والاطمئنان.. فيقول الشاعر:[٣]

أبي...

وكان أن ذهبت، دون أن أودعك

حملت لحظة الفراق كلها معك

حملت آلام النهاية، احتبست أدمعك

أخفيت موجعك

فوجهك الحمول، كان آخر الذي حملته معي،

يوم افترقنا، لا يزال مضجعي

يراك، حينما أراك، بسمة على الظلام

تنير لي مسالك الأيام

وتفرش الطريق بالسلام، بالسلام!


يتابع الشاعر حديثه عن شوقه لأبيه فشوقه وحنينه إلى أبيه كبير عبر البحور، وهي صورة فنية جميلة بأن يشخّص الصبا، والشوق، والحنين ليجعله معبرًا يعبر منه البحار، وهو يريد أن يشير إلى أنّ شوقه بلغ حدًا كبيرًا من الحنين، ثم يمضي الشاعر بشوقه في مدينةٍ مصنوعةٍ من الزجاج والحجر، فالشاعر يبحث عن الراحة والطمأنينة والحنان والعاطفة، الصيف فيها خالد، لا يأتي بعده فصول، والشاعر يبحث عن حديقة ليرتاح فيها ويجد بعض الظل فيها فلم يجد، فالصيف فيها حارق أليم، وأهل المدينة تحت اللهيب والغبار صامتونز


وكلٌ مشغول بنفسه ودائمًا يرتحلون، ويتمنى لو يكلمونه فلو كلّموه يكون سؤالهم (كم الساعة؟)، وهنا شاعرنا يريد أنْ يشير إلى حالة الاغتراب والوحشة في هذه المدينة ذات الأبنية الزجاجية والحجرية.. فيقول الشاعر:[٣]

أبي وكان أن عبرت في الصبا البحور

رسوت في مدينة من الزجاج والحجر

الصيف فيها خالد، ما بعده فصول

بحثت فيها عن حديقة فلم أجد لها أثر

وأهلها تحت اللهيب والغبار صامتون

ودائمًا على سفر!

لوكلموك يسألون.. كم تكون ساعتك؟


العاطفة في قصيدة رسالة مجهولة

القصيدة غنية بعواطف الحزن، والغربة، والضياع في مدينة مُحرِقة؛ جميع فصولها صيف، ومشاعر من الألم، والشوق، والحنين إلى الأب الفقيد، وهي عاطفة صادقة تجلّت في معظم القصيدة.

المراجع

  1. إميل يعقوب (2004)، معجم الشعراء منذ عصر النهضة المجلد الأول (الطبعة 1)، بيروت:صادر، صفحة 75، جزء 1.
  2. "أحمد عبد المعطي حجازي"، معرفة.
  3. ^ أ ب ت أحمد عبد المعطي حجازي (1982)، ديوان أحمد عبد المعطي حجازي (الطبعة 2)، بيروت:العودة، صفحة 221-230.