قصيدة الشاعر الصب

تعود قصيدة الشّاعر للشّاعر أبي الحسن الحصري، واسمه أبو الحسن علي بن عبد الغني الفهري المقرئ الضرير القيرواني، وهو شّاعر مشهور، صاحب زهر الآداب، ولد في حيّ الفهريين في بيئةٍ عربيةٍ خالصة، سنة 420 هـ، ونشأ في القيروان، ونهل منها العلوم، ثم رحل إلى سبتة في أقصى المغرب، وكان عالمًا مشهورًا في القراءات، اتصل بملوك الطوائف في الأندلس، وذاع صيته بين الشّعراء.[١][٢]


مناسبة القصيدة

نظم أبو الحسن الحصري هذه القصيدة العصماء (يا ليل الصّب) في مدح الأمير أبي عبد الرّحمن محمد بن طاهر صاحب إمارة (مرسية)، على إثر وشاية بلغت إلى الأمير، وقد اتُّهِمَ فيها الشاعر الحصري بشتمه للأمير في مجالسه، حينما كان في إحدى مساجد (مرسية) والقصيدة طويلة تكتظ برقّةٍ بالغة، وهي ما يشهد للشاعر ببراعته الفذّة، فقد بلغ من روعة القصيدة بأن عارضها كثيرون حتى بلغ عدد معارضيها أكثر من سبعين شاعرًا وشاعرة كانوا يحاولون أن يقتبسوا من حسنها وجمالها الموسيقي، ومعانيها البديعة.[٣]


شرح القصيدة وأفكارها الرئيسية

  • عدد أبيات القصيدة تسعة وتسعون بيتًا، منها ثلاثة وعشرون بيتًا الأولى في الغزل والنسيب والحب:[٤]

وفيها يتحدث الشاعر عن شوقه للمحبوبة، ويصور لنا ما يعانيه من أرقٍ، وشوقٍ، وألم البعد، وحرقة الفراق، والشّاعر في مطلع قصيدته مشتاقٌ، وفي قلبه حنين، ينادي اللّيل، وهنا يوجد أنسنة، وتشخيص بنداء الشّاعر لليل فهو يدعو الليل لينظر في حالة العاشق الولهان، ويتساءل متى يأتي غد اللّقاء بالمحبوبة، وهو يشكو انتظار اللقاء، وهل سيتأخر هذا اللّقاء بين الأحباب إلى قيام السّاعة، حتى أصحاب السّهر والنّدماء في السّمر ناموا ورقدوا، لكنّ العاشق ضاع منه النّوم بسبب البعد، وبقي ساهرًا يتجرّع ألم الفراق، ونرى الطّبيعة تواسي الشاعر فهذا النّجم يشارك ألم الشّاعر وحزنه؛ فأصبح النّجم يبكي ألمًا وإشفاقًا لَمَّا رأى تقلّب وجه العاشق في النّجوم والسّماء، وهنا تكمن جمالية الصّورة في أنسة وتشخيص النّجم، وشاعرنا مولع بفتاةٍ كأنها الغزال لها خصر نحيل وبطن رهيف، لكنّ الواشين والحاقدين قد فرقوهما وأبعدوها عنه، فنسج لها شِباك الحبّ للإيقاع بها، ولو في منامه؛ لأنه لا يراها فلعلّه يلقاها في منامه، وقد وقع هذا المحب في شراك الحب، والعشق مع أنّه صيّاد ماهر، حيث وقع في أسر أجمل وأنعم غزالة لم يستطع صيدها، فأسرته هذه الغزالة بسحرها وجمالها، ثمّ أخذ يصف جمال المحبوبة، وقد صوّرها كتمثالٍ للفتنة والجمال، وشاعرنا وقع في حب هذا التمثال دون أن يعبده.


ثمّ نراه قد بدأ بوصف هذا التّمثال، وهذه المحبوبة الفاتنة بجمالها، من خصرٍ نحيلٍ، وبطنٍ رهيفٍ، وفمٍ، وعينين، ووجنتين، ويغدق الشّاعر من جميل وصفه، وبراعة تصويره، وفنّه الأخّاذ، فكأنّ مقلتي عينيّ المحبوبة سيف قد أهدر دمه لشدة سحرهما، وأمّا ذبول جفنيها فهي كالغمد لهذا السّيف القاتل، فيصوّر العينين كأنّهما سيف قاتل قد أراقَ دماء الشّاعر العاشق، أمّا جفنيها الجميلان يجحدان قتله، وينكران حبّه، بينما اعترفت حُمرة وجنتيها بدماء العاشق المقتول، وهنا يظهر جمال الاستعارة، ثم نراه يغفر لها، ويعيذها من القتل عمدًا، ويأتي بعد ذلك على تصوير معاناته من الأرق فيدعوها لأن تهبَ له النّوم فرُبّما يرى طيفها، وتغمره السّعادة برؤيتها ووصالها؛ إذ يكاد هذا الحبّ أن ينهيَ حياة الشّاعر، وروحه المتعلّقة قد أصيبت بمرض العشق فبكى لسوء حاله مَن كانَ يعوده ويزوره، وهو يأمل من المحبوبة أن تشفق عليه، فربّما يغادر الدّنيا اليوم أو بعد حينٍ، ويفيض دمعه شوقًا؛ ذلك لأنّ المحب يهوى لقاء حبيبته، لكنّ البعد والدهر قد فرّق بينهما، وليس للشّاعر وقلبه الحزين إلا الصبر على هذا البعد والهجران. فيقول الشّاعر واصفًا ذلك:[٤]


يا ليلُ الصبُّ متى غدُه أقيامُ السَّاعةِ مَوْعِدُهُ رقدَ السُّمَّارُ فأَرَّقه أسفٌ للبيْنِ يردِّدهُ فبكاهُ النجمُ ورقَّ له ممّا يرعاه ويرْصُدهُ كلِفٌ بغزالٍ ذِي هَيَفٍ خوفُ الواشين يشرّدهُ نصَبتْ عينايَ له شرَكاً في النّومِ فعزَّ تصيُّدهُ وكفى عجباً أَنِّي قنصٌ للسِّرب سبانِي أغْيَدهُ



صنمٌ للفتنةٍ منتصبٌ أهواهُ ولا أتعبَّدُهُ صاحٍ والخمرُ جَنَى فمِهِ سكرانُ اللحظ مُعرْبدُهُ ينضُو مِنْ مُقْلتِه سيْفاً وكأَنَّ نُعاساً يُغْمدُهُ فيُريقُ دمَ العشّاقِ به والويلُ لمن يتقلّدهُ كلّا لا ذنْبَ لمن قَتَلَتْ عيناه ولم تَقتُلْ يدهُ يا من جَحَدتْ عيناه دمِي وعلى خدَّيْه توَرُّدهُ خدّاكَ قد اِعْتَرَفا بدمِي فعلامَ جفونُك تجْحَدهُ



إنّي لأُعيذُكَ من قَتْلِي وأظُنُّك لا تَتَعمَّدهُ باللّه هَبِ المشتاق كَرَى فلعَلَّ خيالَكَ يِسْعِدهُ ما ضَرَّك لو داوَيْتَ ضَنَى صَبٍّ يُدْنيكَ وتُبْعِدهُ لم يُبْقِ هواك له رَمَقا فلْيَبْكِ عليه عُوَّدُهُ وغداً يَقْضِي أو بَعْدَ غَدٍ هل مِنْ نَظَرٍ يتَزَوَّدهُ يا أهْلَ الشوقِ لنا شَرَقٌ بالدّمعِ يَفيضُ مَوْرِدُهُ يهْوى المُشْتاقُ لقاءَكُمُ وظروفُ الدَّهْرِ تُبَعِّدهُ ما أحلى الوَصْلَ وأَعْذَبهُ لولا الأيّامُ تُنَكِّدهُ بالبَينِ وبالهجرانِ فيا لِفُؤَادِي كيف تَجَلُّدهُ

  • مدح الأمير صاحب إمارة مرسيّة أبو عبد الرّحمن محمد:[٥]

وفي هذه الأبيات يغدق الشّاعر على الممدوح بمختلف الصفّات الحسنة فهو عفيف وطاهر، سامي الشّرف والنّسب، ميمون مبارك عمره، هيّن لينٌ في عزّته، شديد في الحرب، مشهورة فضائله كالشمس، وشاعرنا يصور ممدوحه بأجمل حلّةٍ، ويغدق عليه من بديع وصفه الحسن. فيقول:[٥]


الحُبُّ أعَفُّ ذَويهِ أنا غيرِي بالباطِلِ يُفْسِدهُ كالدَّهْر أَجلُّ بَنِيهِ أبو عَبْدِ الرَّحْمنِ مُحَمَّدهُ العفُّ الطاهِرُ مِئْزرُهُ والحرُّ الطَّيَّبُ مَوْلِدُهُ شفَعَتْ في الأَصْلِ وزارَتُه وزكا فتفَوَّقَ سُؤْددُهُ كَسَبَ الشَّرَفَ السامِي فغدا فوْقَ الجوزاءِ يُشَيِّدُهُ وكفاه غلامٌ أَوْرَثَهُ إِسْحَاق المَجْدِ وأَحْمَدهُ ما زالَ يجولُ مَدىً فَمَدىً ويحلُّ الأَمْرَ وَيَعْقِدهُ حتّى أَعطَتهُ رئاسَتُه وسياسَتُه ومهُنَّدهُ فاليومَ هو الملِكُ الأَعْلَى مولَى مَنْ شَاءَ وسَيّدُهُ ميمونُ العُمْرِ مبارَكُهُ منصورُ المُلكِ مُؤيَّدهُ هَيْنٌ لَيْنٌ في عِزَّتِهِ لكن في الحرْبِ تَشَدُّدُهُ يطوِي الأيّامَ وَينْشُرُها ويُقيمُ الدهرَ ويُقْعِدهُ شُهِرَتْ كالشّمسِ فضائِلُهُ فأقرّ عداهُ وحُسَّدهُ لا يُطرِبُهُ التَّغْريدُ ولَوْ غَنَّى بالأَرْغُنِ مَعْبَدهُ والخَمْرُ فلَيْسَتْ مِنْهُ ولا لعبُ الشَّيْطانِ ولا دَدُهُ تركَ اللَّذَّاتِ فهِمَّتُهُ عِلْمٌ يَرْويهِ ويُسْنِدهُ وبداً في المُلْكِ تُرَغِّبُه وبُقىً في المالِ تُزهّدهُ وذكاءٌ مثل النَّارِ جَلا ظُلَمَ الشُّبُهاتِ تَوقُّدهُ وهُدَىً في الخيرِ يُرَغِّبُه وتُقىً في المُلك يزهّدهُ وحَواشٍ رقَّتْ مِنْ أَدَبِ حتّى فَضَحت من يِنشدهُ لا عُذرَ لمادِحِهِ إن لَمْ يدفق بغرِيبٍ يَنْقُدهُ

  • فخر الشّاعر الحصري بشعره وتفوقه في الشّعر والنّحو والأدب على مَن سبقوه من الشّعراء والأدباء والنّحويين:[٦]

فشاعرنا يفتخر بنفسه وبشعره فهو غيلان في الشعر نسبة إلى الشّاعر غيلان، وفي النحوي جرمي نسبة إلى المبرّد، وخليلي القوافي واللغة، وسبّاق لهم، ويغدق علينا بنهر من الصور الفنّية السّاحرة الّتي يصف بها ممدوحه فهو كريم غدّاق الكرم، وبرؤيته يشفى المريض الأرمد العينين، عادل أشرقت مرسية بعدله، وأخذ شاعرنا الحصري يثني على خصال صاحبه ويدعو له بالخير.

  • التّعرض للتهمة الملفّقة الّتي نُسبت إلى الشّاعر:

فهذه التهمة أغضبت الأمير كما البحر الغاضب. وأخذ يتلمس منه عذرًا، فقد كذب الواشي بما أخبر. فيقول:[٧]


أَتُراكَ غَضِبتَ لما زَعموا وطمَى من بحركَ مُزْبدهُ وَبَدا من سيفِكَ مُبرِقُه وَعلا من صوتك مُرْعِدهُ هَل تأتِي الرّيحُ على رَضْوَى فتقوّيه وتُصَعِّدهُ أَنتَ المولى والعبدُ أنا فبأَيِّ وَعيدِك تُوعِدهُ ما لِي ذنبٌ فتعاقبُنِي كذب الواشِي تَبَّتْ يدهُ ولو اِستَحقَقتُ مُعاقَبَةً لأبى كرمٌ تَتَعَوَّدهُ عَن غير رضايَ جَرَتْ أشيا ءُ تُغيضُ سواكَ وتُجْمِدهُ واللّهُ بذاك قضى لا أنْ تَ فلَسْتُ عليكَ أعدِّدهُ

  • التّعرض للواشي الّذي يدعي بأنّ الشتيمة صدرت من الحصري بمجلس الوزير ثمّ يستشهد الوزير على براءته. فيقول:[٨]


لا تغد عليَّ بمُجْتَرِمٍ لم يثْبُتْ عندك شُهَّدهُ فوزيرُ العَصرِ وَكاتِبُه ومرسِّلُه ومُقَصِّدهُ يُبْدِي ما قلتُ بمجلِسِهِ أَيضاً ولسوفَ يُفَنِّدُهُ إِن كنتُ سببتكُ فُضَّ فمِي وَكفرتُ برَبٍّ أَعْبُدهُ

  • اعتزاز الشّاعر بأدبه وأخيرًا يطلب العفو من الأمير. فيقول:[٩]


حاشا أدبي وسنا حسبِي من ذَمِّ كريم أَحْمَدهُ سَتجودُ لعبدِكَ بالعفو فيذيبُ الغَيْظَ ويطردُهُ وقديمُ الوُدِّ ستذكرُهُ وتجدِّدُهُ وتؤَكِّدُهُ أوَ ليسَ قديمُ فخارِكَ ين شينِي وَعُلاكَ يُشَيِّدهُ يا بدرَ التّمِّ نكحتَ الشَّمْ سَ فذاك بُنيّك فَرْقَدهُ فَاِسلَم للدين تُمَهِّدُهُ ولِشَمْلِ الكفْرِ تُبدِّدهُ واِقبل غَيْداءَ محبَّرَةً لفظاً كالدُّرِّ مُنَضّدُهُ لو أَنّ جميلاً أَنشَدَها في الحيَّ لذابتْ خُرَّدُهُ أهديتُ الشِّعْرَ على شَحَطٍ ونداك قريبٌ مَوْلِدهُ ما أَجوَدَ شِعرِي في خَبَبٍ والشعرُ قليلٌ جَيِّدهُ لولاك تساوَى بَهْرَجُهُ في سُوقِ الصَّرْفِ وعسْجَدهُ وَلَضاع الشعرُ لذِي أدَبٍ أو ينفقهُ من يَنْقُدهُ فَعَليك سلامُ اللَّهِ مَتى غنَّى بالأيك مُغَرِّدهُ



أسلوب الشّاعر في القصيدة

لقد تفنن الحصري في هذه القصيدة العمودية الفذّة؛ حيث أودعها بنات أفكاره، وعاطفته الذاتية، ومشاعره، ودقائق أسراره، فكلَّلها من الدّرِّ أغلاه، ومن البديع أعلاه، وتنوعت أساليبه وفنونه، وأغدق عليها من فنون الوصف، وحسن التّصوير، والاستعارة، ومختلف الأساليب، فأتت وكأنها غادة حسناء قد كساها من بهاء الطّبع دلالًا، وأكسبها من صفاء الوضع جمالًا، تختال في حلل البهاء، فكادت أن تطأ مفاخرها هامة الجوزاء ببديع اللّفظ، وجمال المعنى، وتطويع المحسنات، بالإضافة إلى جمال وقعها الموسيقي البهيّ؛ إذ أحسن اختياره للبحر المتدارك، فقدمها إلى الأمير ليدفع عن نفسه هذه التهمة، وقد اشتهر صيت كاتبها، وسار ذكره في الخافقين بهذه الرائعة البديعة.[٣]


ولقراءة شرح المزيد من القصائد: قصيدة غدت تستجير الدمع، قصيدة خداع الأماني.

المراجع

  1. محمد علي حسن (1968)، ديوان ليل الصب (الطبعة 1)، بغداد:مطبعة الإيمان، صفحة 6-7-8. بتصرّف.
  2. شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي عصر الدول والإمارات ليبا تونس صقيلية، صفحة 247. بتصرّف.
  3. ^ أ ب محمد علي حسن، ديوان ليل الصب (الطبعة 1)، بغداد:مطبعة الإيمان، صفحة 15. بتصرّف.
  4. ^ أ ب محمد علي حسن، ديوان ياليل الصب (الطبعة 1)، صفحة 19-20.
  5. ^ أ ب محمد علي حسن، ديوان ليل الصب، صفحة 21-22.
  6. محمد علي حسين، ديوان ليل الصب، صفحة 22-23-24.
  7. محمد عل حسن، ديوان ليل الصّب (الطبعة 1)، صفحة 24.
  8. محمد علي حسن، ديوان ليل الصب (الطبعة 1)، صفحة 24-25.
  9. محمد علي حسن، ديوان ليل الصب (الطبعة 1)، صفحة 25.