قصيدة عبرات شاعر

عبرات شاعر قصيدة للشاعر العباسي المشهور بأبي الطّيب المتنبي، وهو أحمد بن الحسين بن عبد الجبّار الجعفي، وُلد سنة 303 هـ في محلة كندة بالكوفة، ونشأ فيها بين الكتاتيب ودور الورّاقين، ومجالس العلم والأدب، وتقلب في البلاد حتى عاش في كنف سيف الدولة الحمداني في حلب، كما اتصل بكافور، وأغدق عليه من شعره، واحتفى به كافور بجزيل عطاياه، وهو نابغة من نوابغ عصره، وشاعر العظمة والعُظماء، له من الشّعر ديوان، هو أول مَن جمعه، وعني العلماء بشرحه والتعليق عليه، قتل في طريق عودته من شيراز إلى الكوفة سنة 354 هـ.[١]


مناسبة القصيدة

قصيدة قالها أبو الطّيب المتنبي في صباه يمدح فيها أبا المنتصر شجاع بن محمد بن أوس بن معن بن الرّضي الأزدي، جاءت في سبيل المديح، وقد امتزج المديح عنده بالحكمة، كما امتزج بالغزل في القصيدة نفسها.[٢]


شرح القصيدة وأفكارها الرئيسية

استهل الشاعر قصيدته في الحديث عن الأرق، وذهاب النّوم؛ نتيجة الجوى والصّبابة، ودموع الشّوق إلى المحبوبة، في الأبيات من 1-6، فيها يشكو ألم الفراق، وحرقة الهوى، ولهيب الغضى، وهو جمرٌ لا ينطفئ لشدة لهيبه[٣]. فيقول:[٢]


أَرَقٌ عَلى أَرَقٍ وَمِثلِيَ يَأرَقُ وَجَوىً يَزيدُ وَعَبرَةٌ تَتَرَقرَقُ جُهدُ الصَبابَةِ أَن تَكونَ كَما أَرى عَينٌ مُسَهَّدَةٌ وَقَلبٌ يَخفِقُ ما لاحَ بَرقٌ أَو تَرَنَّمَ طائِرٌ لّا اِنثَنَيتُ وَلي فُؤادٌ شَيِّقُ جَرَّبتُ مِن نارِ الهَوى ما تَنطَفي نارُ الغَضى وَتَكِلُّ عَمّا تُحرِقُ وَعَذَلتُ أَهلَ العِشقِ حَتّى ذُقتُهُ فَعَجِبتُ كَيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ وَعَذَرتُهُم وَعَرَفتُ ذَنبِيَ أَنَّني عَيَّرتُهُم فَلَقيتُ فيهِ ما لَقوا


ثم ينتقل إلى الحكمة والعبرة في الحياة فهو شاعر الحكمة، وضرب الأمثال، والحكمة عنده ثمرة تجربة حياتية، ونتيجة تفكيرٍعميق، وهي ما نراها في الأبيات من7 إلى 15، وفيها يتحدث عن الاعتبار، وأخذ الموعظة من الموت، فلا منازل باقية، وكل الديار خالية، ولا يبقى إلّا نعيق الغراب لما فيه من دلالةِ السّواد على الموت، وحتّى الملوك والجبابرة فكلٌّ مآله إلى لحدٍ وقبرٍ ضيّق، ويعود ليؤكد على حتميّة الموت فالموت حق على جميع النفوس، ثمَّ نراه يلجأ إلى الحديث عن ذاته وتجربته في الحياة، وبكائه على شبابه، وبأن الحياة دار فناءٍ والموت قادم لا محالة، وكلّ ذلك في نسجٍ محكمٍ، وتعبيرٍ حسن عن تلك الموعظة في الحياة[٤]، فيقول:[٥]


أَبَني أَبينا نَحنُ أَهلُ مَنازِلٍ أَبَداً غُرابُ البَينِ فيها يَنعَقُ نَبكي عَلى الدُنيا وَما مِن مَعشَرٍ جَمَعَتهُمُ الدُنيا فَلَم يَتَفَرَّقوا أَينَ الأَكاسِرَةُ الجَبابِرَةُ الأُلى كَنَزوا الكُنوزَ فَما بَقينَ وَلا بَقوا مِن كُلِّ مَن ضاقَ الفَضاءُ بِجَيشِهِ حَتّى ثَوى فَحَواهُ لَحدٌ ضَيِّقُ خُرسٌ إِذا نودوا كَأَن لَم يَعلَموا أَنَّ الكَلامَ لَهُم حَلالٌ مُطلَقُ وَالمَوتُ آتٍ وَالنُفوسُ نَفائِسٌ وَالمُستَغِرُّ بِما لَدَيهِ الأَحمَقُ وَالمَرءُ يَأمُلُ وَالحَياةُ شَهِيَّةٌ وَالشَيبُ أَوقَرُ وَالشَبيبَةُ أَنزَقُ وَلَقَد بَكَيتُ عَلى الشَبابِ وَلِمَّتي مُسوَدَّةٌ وَلِماءِ وَجهِيَ رَونَقُ حَذَراً عَلَيهِ قَبلَ يَومِ فِراقِهِ حَتّى لَكِدتُ بِماءِ جَفنِيَ أَشرَقُ



ونراه ينتقل في المقطوعة الأخيرة ليختتم القصيدة بمديح قبيلة بني أوس عامّة، ومن ثمّ يمدح أبا المنتصر شجاع بن محمد بن أوس بن معن بن الرّضي الأزدي خاصّةً، فجاء على ذكر خصاله وحسناته بما فيه من جودٍ وكرم، في الأبيات من 16 إلى 25، وفيها يتفنن الشّاعر بالوصف، واستخدام الاستعارات، والكنايات، والصور الفنيّة التي تنمّ عن حسٍ مرهفٍ، ووصفٍ دقيقٍ لفنانٍ مبدعٍ، فيرى بأن من ديار بني أوس تطلع الشموس منها، وهو بذلك يريد علو منزلتهم، ورقي شأنهم، وقد وصلت شهرتهم لأن أثنى عليهم ثناءً، وصلت سمعته انتشارًا كرائحة طيب المسك، وهنا نلحظ جمال فنّه وتصويره، والتي تظهر أيضًا في قوله أمطر عليّ سحاب جودك غزيرة، كما المطر الغزير للإشارة إلى كرم الممدوح وجوده وجزيل عطائه. فيقول:[٥]


أَمّا بَنو أَوسِ اِبنِ مَعنِ اِبنِ الرِضا فَأَعَزُّ مَن تُحدى إِلَيهِ الأَينُقُ كَبَّرتُ حَولَ دِيارِهِم لَمّا بَدَت مِنها الشُموسُ وَلَيسَ فيها المَشرِقُ وَعَجِبتُ مِن أَرضٍ سَحابُ أَكُفِّهِم مِن فَوقِها وَصُخورُها لا تورِقُ وَتَفوحُ مِن طيبِ الثَناءِ رَوائِحٌ لَهُمُ بِكُلِّ مَكانَةٍ تُستَنشَقُ مِسكِيَّةُ النَفَحاتِ إِلّا أَنَّها وَحشِيَّةٌ بِسِواهُمُ لا تَعبَقُ أَمُريدَ مِثلِ مُحَمَّدٍ في عَصرِنا لا تَبلُنا بِطِلابِ ما لا يُلحَقُ لَم يَخلُقِ الرَحمَنُ مِثلَ مُحَمَّدٍ أَبَداً وَظَنّي أَنَّهُ لا يَخلُقُ يا ذا الَّذي يَهَبُ الجَزيلَ وَعِندَهُ أَنّي عَلَيهِ بِأَخذِهِ أَتَصَدَّقُ أَمطِر عَلَيَّ سَحابَ جودِكَ ثَرَّةً وَاِنظُر إِلَيَّ بِرَحمَةٍ لا أَغرَقُ كَذَبَ اِبنُ فاعِلَةٍ يَقولُ بِجَهلِهِ ماتَ الكِرامُ وَأَنتَ حَيٌّ تُرزَقُ



البناء والأسلوب والعاطفة

القصيدة مؤلفة من خمسة وعشرين بيتًا شعريًا، وُفِق في اختيارها أبو الطيب من البحر الكامل، وكان موفقًا في استخدام قافية القاف لتعطي بذاتها إيقاعًا خاصًا في الأذن.

كما نلحظ من خلال القصيدة أنّ في شعره قوّةً وعبقريّةً في النظم والنسج، فهذا هو عقل المتنبي اللماح، وقلبه النابض، وخياله الخلّاق، ولسانه البليغ، وفي أسلوبه رصانة في اللفظ، وانسجام في المعاني وتطويع للفنّ، وحسنٌ في التصوير، رغم أنه لم يبتكر في المعاني، واكتفى بما ورد عند الأقدمين، فعمد إليه وتناوله بملء نفسه وكامل روحه، وقد امتزج به امتزاجًا، وصهره في ذاته، وكوّن من مجموعه كيانًا خاصًا به.[٦]، أما العاطفة فكانت صادقة بما فيها من عبراتٍ، ودموعٍ، فهي ألم وشوق للمحبوبة في بداية القصيدة، وشعور بالزهد في الحياة، والاعتبار بالموت.


المراجع

  1. حنا الفاخوري، الجامع في تاريخ الأدب العربي القديم، صفحة 784-785. بتصرّف.
  2. ^ أ ب عبد الرحمن البرقوقي، شرح ديوان المتنبي، القاهرة:هنداوي، صفحة 806. بتصرّف.
  3. تحقيق محمد سعيد المولوي، شرح ديوان المتنبي لأبي العلاء المعري، صفحة 844. بتصرّف.
  4. حنا الفاخوري، الجامع في تاريخ الأدب العربي القديم، صفحة 813-814. بتصرّف.
  5. ^ أ ب عبد الرحمن البرقوقي، شرح ديوان المتنبي، القاهرة:الهنداوي، صفحة 806-807.
  6. حنا الفاخوري، الجامع في تاريخ الأدب العربي القديم، صفحة 796.