قصيدة بم التعلل

تعدّ قصيدة بم التعلّل إحدى القصائد التي نظمها الشاعر أبو الطيب المتنبي الذي عُرف في العصر العباسيّ، واسمه أحمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي الكندي، وُلِد في الكوفة عام (303 هـ)، وقد عُرِف منذ صغره بأنّه فذّ وذكيّ ومحبّ للعلم واللغة، ويُذكر أنه نشأ في بيئة بدوية وكان دائم الاتصال بالقبائل، وهذا ما أكسبه الصلابة والنزعة البدوية، وقد كان العصر العباسي يُشكّل بيئةً مليئة بالعلم في شتى النواحي، وكثرت فيه المؤلفات وظهر فيه العديد من العلماء، فاتصل المتنبي بهم وبالعديد من الأمراء، وقد ظهر ذلك جليًا في شعره.[١]


مناسبة قصيدة بم التعلل

يُذكر أنّ أبا الطيب المتنبي نظم قصيدته بم التعلل عندما بلغه أنّ قومًا نعوه في مجلس سيف الدولة الحمداني في حلب وهو بعيد عنه؛ فضمنها فخرًا بذاته إلى جانب الشكوى والعتاب والكثير من الحكمة.[٢]


تحليل قصيدة بم التعلل

جاءت قصيدة بم التعلل على بحر البسيط في خمسة وعشرين بيتًا، وقد تم تقسيمها إلى عدة مقاطع في ما يأتي شرحها وتحليلها:


شرح المقطع الأول

يفتتح الشاعر قصيدته باستفهام استنكاري يوضح فيه فقدانه للأشياء التي تطيب بها نفسه؛ فهو بعيد عن أهله ووطنه، وليس له ما يلهو به ويُشغله، ولا يوجد لديه صاحب مقرّب، حتى أنه مغترب عن كأس الخمر، ففي حديثه حسرة يؤكدها الحرمان من أساسيات الحياة الإنسانية الاجتماعية، ثم يخاطب الشاعر زمانه كأنه إنسان موجود أمامه ويطلب منه أن يوصله إلى طموحه العالية التي لا يستطيع الزمن نفسه تحقيقها.


ليعود الشاعر بعد ذبك ويخاطب المتلقي بحكمة الفيلسوف ويُخبره بألا يكترث بصروف الزمن ما دام حيًا، فإنها تزول ولا تبقى، والذي لا عوض عنه إذا فات هو الروح فقط، فلا السرور دائم ولا الحزن دائم، وحال العاشقين خير دليل على ذلك، وقد كرر استخدام الزمن بهدف تكثيف المعنى وجعله يتمحور حوله، وعمومًا استعان الشاعر بالعديد من المحسنات البديعية التي تخدم الفكرة التي أراد التعبير عنها، كالجناس غير التام والالتفات، وغيرهما، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣][٤]


بِمَ التَعَلُّلُ لا أَهلٌ وَلا وَطَنُ وَلا نَديمٌ وَلا كَأسٌ وَلا سَكَنُ أُريدُ مِن زَمَني ذا أَن يُبَلِّغَني ما لَيسَ يَبلُغُهُ مِن نَفسِهِ الزَمَنُ لا تَلقَ دَهرَكَ إِلّا غَيرَ مُكتَرِثٍ ما دام يَصحَبُ فيهِ روحَكَ البَدَنُ فَما يَدومُ سُرورُ ما سُرِرتَ بِهِ وَلا يَرُدُّ عَلَيكَ الفائِتَ الحَزَنُ مِمّا أَضَرَّ بِأَهلِ العِشقِ أَنَّهُمُ هَوُوا وَما عَرَفوا الدُنيا وَما فَطِنوا تَفنى عُيونُهُمُ دَمعاً وَأَنفُسُهُم في إِثرِ كُلِّ قَبيحٍ وَجهُهُ حَسَنُ



شرح المقطع الثاني

يخاطب الشاعر سيف الدولة الحمداني وأعوانه حيث بلغه موت المتنبي في مجلسه، ويؤكد له أنّ الجميع رهن الموت الذي لا بدّ منه فلا يفرح لنعييه أحد، وقد حدث ذلك أكثر من مرة في مجلسك يا سيف الدولة وزعموا أنّي قُتلتُ ومتّ، ثم بانت الحقيقة بأنّي ما زلت على قيد الحياة، وكأنّي كنت ميتًا وخرجت من القبر، وقد قصد بذلك أنه أزال عن نفسه الأذى الذي سببته إشاعة هؤلاء عن موت، ثم يشير الشاعر إلى أنّ الذين زعموا موته وأنهم حضروا دفنه ماتوا قبله فبان كذبهم، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣][٤]


تَحَمَّلوا حَمَلَتكُم كُلُّ ناجِيَةٍ فَكُلُّ بَينٍ عَلَيَّ اليَومَ مُؤتَمَنُ ما في هَوادِجِكُم مِن مُهجَتي عِوَضٌ إِن مُتُّ شَوقاً وَلا فيها لَها ثَمَنُ يا مَن نُعيتُ عَلى بُعدٍ بِمَجلِسِهِ كُلٌّ بِما زَعَمَ الناعونَ مُرتَهَنُ كَم قَد قُتِلتُ وَكَم قَد مُتُّ عِندَكُمُ ثُمَّ اِنتَفَضتُ فَزالَ القَبرُ وَالكَفَنُ قَد كانَ شاهَدَ دَفني قَبلَ قَولِهِمِ جَماعَةٌ ثُمَّ ماتوا قَبلَ مَن دَفَنوا



شرح المقطع الثالث

يُشير الشاعر إلى أنّ الرياح لا تواتي السفن في سيرها دائمًا بل قد تعاكسها، وقد شبه حال الناس في الدنيا بذلك، فهم فلا يسيرون دائمًا وفق أهوائهم، ولا يحصلون على ما يشتهون دائمًا، وهؤلاء هم أعداؤه الذين تمنّوا موته لكن لم يتحقق لهم ذلك، ليبدأ بعد ذلك بهجاء سيف الدولة والمحيطين به مُشيرًا إلى أنّ نعمتهم مشوبة بالأذى فلا يهنأ من ينالها وليس منها فائدة تُرتجى، وذلك من خلال استخدام صورة فنية تتمثل بأنّ المواشي التي ترعى في أرضهم لا تدرّ اللبن على مرعاهم لوخامته، وأنّ من يجاورهم دائمًا يُشتَم، فيدعو الشاعر لحدوث البعد بينهم وبينه بأرض ترى فيها العين وتسع فيها الآذان ما لا حقيقة له، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣][٥]


ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ رَأَيتُكُم لا يَصونُ العِرضَ جارُكُمُ وَلا يَدِرُّ عَلى مَرعاكُمُ اللَبَنُ جَزاءُ كُلِّ قَريبٍ مِنكُمُ مَلَلٌ وَحَظُّ كُلِّ مُحِبٍّ مِنكُمُ ضَغَنُ وَتَغضَبونَ عَلى مَن نالَ رِفدَكُمُ حَتّى يُعاقِبَهُ التَنغيصُ وَالمِنَنُ



فَغادَرَ الهَجرُ ما بَيني وَبَينَكُمُ يَهماءَ تَكذِبُ فيها العَينُ وَالأُذُنُ



شرح المقطع الرابع

يُشير الشاعر إلى أنّه يكون حليمًا مع من يؤذيه إذا كان الحلم كرمًا، أما إذا عُدَّ من الجُبن فلن يكون حليمًا، كما أنه لا يأخذ المال بالذلّ، وكل مال يحصل عليه بذلّ يتركه ويبتعد عنه، فلا يستطيب شيئًا يمسّ عرضه بأخذه، ثم يُخاطب من أذوه ويُخبرهم أنه بعد فراقهم فارقه النوم وحشة لهم، ولما طالت الأيام نسيهم واشتدّ عوده وعاد النوم إلى عينيه، وإن كان في قوم آخرين وعاملوه مثلما عامله قومه فسيفارقهم أيضًا، فهو جدير بذلك وقادر عليه، بعد ذلك يُشير الشاعر إلى أنّ بقاءه في مصر طال لإكرام مثواه هناك حتى بليت جلال الفرس ورسنه فأبدلها، فقد أقام عند مَنْ عمّ خيره الجميع، ومَنْ يلبّي له آماله ولا يُضعف رجاءه، وإن تأخّر عن موعده أحيانًا فذلك ليختبر المحبة والمودة من الشاعر، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣][٥]


إِنّي أُصاحِبُ حِلمي وَهوَ بي كَرَمٌ وَلا أُصاحِبُ حِلمي وَهوَ بي جُبُنُ وَلا أُقيمُ عَلى مالٍ أَذِلُّ بِهِ وَلا أَلَذُّ بِما عِرضي بِهِ دَرِنُ سَهِرتُ بَعدَ رَحيلي وَحشَةً لَكُمُ ثُمَّ اِستَمَرَّ مَريري وَاِرعَوى الوَسَنُ وَإِن بُليتُ بِوُدٍّ مِثلِ وُدِّكُمُ فَإِنَّني بِفِراقٍ مِثلِهِ قَمِنُ أَبلى الأَجِلَّةَ مُهري عِندَ غَيرِكُمُ وَبُدِّلَ العُذرُ بِالفُسطاطِ وَالرَسَنُ عِندَ الهُمامِ أَبي المِسكِ الَّذي غَرِقَت في جودِهِ مُضَرُ الحَمراءِ وَاليَمَنُ وَإِن تَأَخَّرَ عَنّي بَعضُ مَوعِدِهِ فَما تَأَخَّرُ آمالي وَلا تَهِنُ هُوَ الوَفِيُّ وَلَكِنّي ذَكَرتُ لَهُ مَوَدَّةً فَهوَ يَبلوها وَيَمتَحِنُ



السمات الفنية في قصيدة بم التعلل

تتسم قصيدة بم التعلل بمجموعة من الخصائص والسمات الفنية، منها ما يأتي ذكره:[٦]

  • استعمال العديد من الأساليب البلاغية المتناسبة مع المضمون.
  • عدم الإكثار من أسلوب التكرار.
  • التنويع في التركيب والأسلوب والإيقاع.


ولقراءة تحليل المزيد من قصائد المتنبي: قصيدة عبرات شاعر.

المراجع

  1. حنان الدباغ، التناص أنماطه وأنواعه في شعر المتنبي، صفحة 29. بتصرّف.
  2. عبد الله عزايزة، تركيز مادة الأدب، صفحة 19. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت ث عبد الله عزايزة، تركيز مادة الأدب، صفحة 16-23. بتصرّف.
  4. ^ أ ب إبراهيم خليل، عاطف كنعان، هارون الربابعة، نونية المتنبي دراسة في التركيب والدلالة، صفحة 3-10. بتصرّف.
  5. ^ أ ب "قصيدة بم التعلل"، واحة المتنبي. بتصرّف.
  6. إبراهيم خليل، عاطف كنعان، هارون الربابعة، نونية المتنبي دراسة في التركيب والدلالة، صفحة 14. بتصرّف.