قصيدة ليل وصباح

تعود قصيدة ليل وصباح للشاعر المغربي عبد الكريم بن الحسين بن ثابت، الذي ولد في مدينة فاس عام 1917م، وتلقى تعليمه في الكتّاب، ونشأ محبًا للعلم، والأدب، والثقافة، ارتحل إلى مصر، وطالب باستقلال المغرب، ثمّ رجع إلأى موطنه وعمل في الصّحافة، كما عمل ملحقًا ثقافيًا لسفارة المغرب في تونس إلى أن توفي فيها، عام 1961م، جُمعت قصائده في ديوانٍ بعنوان ديوان الحرية، ويضم الديوان ثلاثين قصيدةً تنوعت معانيها بين معاني الحب، والحرية، والموت.[١]


مناسبة قصيدة ليل وصباح

قصيدة ليل وصباح قصيدة عمودية رومانسية، ارتبط موضوعها حول التعبير عن الذات، والتجربة النفسية للشاعر ما بين الليل وما بين الصباح، وما يحدث في هذه الفترة من خلجاتٍ، وأفكارٍ، وتأمُّلاتٍ في نفس الشّاعر، وعواطفه.


شرح قصيدة ليل وصباح

يستهل الشاعر قصيدته في الوقوف أمام الطبيعة وقت السّهر، ويبدأ بوصف الليل، وشعاع القمر يتخلل الأغصان وكأن هذا الشعاع المضيء ينام فوق الغصون فشبه الشعاع بالكائن الحي الذي ينام، ويحلم فوق أغصان الشجر، ويصور مشهد ظلّ الأشجار كأنها خيال، وقد نام الناس وجاء وقت السهر، ويشبه الشاعر الفنون بالطريق، والسبيل الذي يسير به الإنسان فيقوده إلى التلف والتهلكة، وفي هذا الليل يستيقظ في نفس الشاعر الأسى، والضجر، ومشاعر الحب، وهنا يصور الحب بالشيء الذي يقود الإنسان إلى الفتنة (الفتون)، وصور الفتنة بالطريق، وظل الشاعر يطلب خير البشر لكنهم اتهموه بالجنون، وفقدان العقل، وكأنما ألبسوه الجنون رداءً يرتديه فشبه الجنون بالثوب الذي يرتديه الإنسان، ثم ينادي الشاعر يا نفس؛ وكأنه يخاطبها، ويأنسنها، ويسألها لماذا، وكيف يقضي هذه السنوات، فتجيبه بصمتٍ رهيبٍ يشبه الصمت بالشيء المرعب، وجمال التصوير في التشخيص، ثمّ تفيض الدموع حزنًا على مضي هذه السنين. فيقول الشاعر واصفًا ذلك:[٢]


سهرت وكان شعاع القمر ينام ويحلم فوق الغصون وبت أشاهد ظل الشجر كأني أشاهد بعض الظنون ونام الأنام وحل السهر ولمن أتلفته سبيل الفنون ومن بات يشكو الأسى والضجر ومن قاده الحب نحو الفتون ومن ظل يطلب خير البشر ومن البسوه رداء الجنون


وناديت يا نفس هل تعلمين

لماذا وكيف اقضي السنين ؟


فباءت بصـمـت رهيـــــب وفاضـت دموعي وهـل تنفـع؟



ثم يقلب الشاعر ناظريه يتطلع في نور السّماء، ويشاهد سحر النجوم التي تلمع بضيائها، يشبه مشيها، وهي متدلية؛ كدلال العرائس ومشيهنَّ، ويشبه حركة النجوم في السماء وكأنها تسير كدّل العرائس حين تلهو، ثم يجود القمرُ، ويتفضل على هذه النجوم بشيءٍ من نوره السّاطع، وسناه، وبريقه اللامع، وكأن القمر ملك الضياء، والنورالساطع في الأرجاء، وهنا يشبه الضياء بالوداعة لجمال وسحر منظره، ثم يصف نور وضياء القمر بأنه يشع سناهُ الساطع صفاءً ونقاءً بكرم على مَن حوله، وفيه من روح الخلود، ثم ّ أخذ الشاعر يسأل الضّياء،والنّور السّاطع وكأنه شخص وصديق يسأله فلا يسمع، وهنا أنسنة، وتشخيص لنور القمر، وكأنّ هذا النور الساطع يبعث السلام في الأرواح.

فيقول الشاعر:[٢]


تطلعت أنظر نور السّماء وسحر النّجوم التي تلمعُ تسير مدللة في الفضاء كدلِ العرائس إذ ترتع يجودُ عليها ببعض السّناء مليك وديع الضيا أروع كريمٌ يفيضُ بصفو الضّياء وروح الخلود وما تقنع وصحتُ أسائل هذا السناء سلامًا وروحًا وما يسمع


وناديتُ يا نفس هل تعلمين

لماذا وكيف أقضي السنين؟


فباءت بصـمـت رهيـــــب وفاضـت دموعي وهـل تنفـع؟



يسكن الشاعر إلى الليل تحت ضوء القمر فيخلو لهواجس النفس من الخوف، والحزن، والألم، فيرتاع، ويخاف القلب الحزين بكثرة البكاء، والنحيب، وفي ذلك تشخيص للقلب بأنه يرتاع، ويخاف، ويفزع، ويفرط في البكاء والنحيب لكثرة الآلام والأوجاع، ويوصل لنا حال الناس في الليل فبعض الناس هجوع نائمون، قد سكنوا وهدأوا وناموا، وبعض النّاس عشّاق يناجون، ويدعون، ويسرون بالحديث لأحبائهم، وبعض الناس يصلي بخشوعٍ، وتضرع، تائبين إلى الله يرجون منه الثواب، والمغفرة. وهنا نلحظ صورةً فنيةً في قول الشاعر: (ويحصدهم بالسلاح)؛ إذ يصور السلاح بأداة الحصاد التي تحصد الجموع، كما صور الجموع بسنابل القمح النّاضجة التي يحصدها السّلاح.

فيقول الشاعر:[٢]


تلفتُّ فارتاعَ بين الضلوع فؤادي الحزين بفرط النّحيب ومن حوليَ القومُ بعضٌ هجوع وبعض حبيبٍ يناجي الحبيب وبعضٌ يُصلَي صلاة الخشوع إلى الله يرجو ثواب المنيب يظلُّ إلى الصُّبح بين الرّكوع وبينَ السّجود وما من مُجيب وبعضٌ يكِدُّ ليُفني الجموع ويحصدهم بالسّلاح الغريب


وناديتُ يا نفس هل تعلمين

لماذا وكيف أقضي السنين؟


فباءت بصـمـت رهيـــــب وفاضـت دموعي وهـل تنفـع؟



ثم ينقل لنا الشاعر مشهدًا لجمال الطبيعة في الليل، بما فيه من نجومٍس لامعة، وقمرٍ مكتمل، وشعاع نورٍ يرقص على صفحة الماء؛ إذ يشبه الشاعر شعاع النور الساطع بالراقصة على الماء، والماء والشعاع ينسابان بين الهضاب، والتلال المرتفعة، ثم ينقل لنا صورة المرج الأخضر، والبستان، والبقاع، وهي الأرض الخضراء التي تختلف عمّا حولها من أراضٍ، فكأن هذه البساتين والمروج الخضراء تبتسم للقمر المكتمل بين السحاب، وفي ذلك أنسنة، وتشخيص للمروج، وللبقاع كأنها جميلات، وحسناوات تبسمنّ للقمر بين الغيوم، ثم يصور لنا ماء الجداول، وهو ينساب بين القرى والضياع متلألئًا لامعًا كالفضة المذابة؛ لأن القمر قد انعكس على الجداول فبات لون الماء كاللجين، والفضة السائلة المذابة، ولكن كل هذا الجمال مصيره الزوال والخراب، سيفنى كل شيء، وتبقى لوعةً في قلب الشاعر، وحزن، وألم، ومعاناة، فهذه الحياة تمضي دون أن يدري فيعود ليسأل نفسه لتجيبه بصمتٍ، ويغرق في دموعه، وآلامه.فيقول الشاعر:[٢]


نجومٌ وبدرٌ ورقصُ الشّعاع على الماء ينساب بين الهضاب وخضرُ المروجِ وجردُ البقاع تبسَّمن للبدر بين السّحاب وماء الجداول بين الضياع تلألا مثل لُجين مُذاب جمالٌ تخاذل عند الصراع جمالٌ سيدلفُ نحو الخراب سيفنى ويبقى لدينا التياع وحزنٌ عميقٌ لهذا المصاب


وناديتُ يا نفس هل تعلمين

لماذا وكيف أقضي السنين؟


فباءت بصـمـت رهيـــــب وفاضـت دموعي وهـل تنفـع؟



ثم ينتقل إلى الصباح بعد أن انجلى الليل، وأطل كأنه طفل مبتسم في المهد، وهنا يكمن جمال التصوير، كحسناء عذراء تلهو، وترقص، أو تحلم بين المروج، والبساتين المنبسطة، وينهال علينا بالصور الجميلة فيبدو الصباح كثغر الورود، وكخد الأقاحي والأزهار، فيجعل للورود فاهًا وثغرًا، وللأقاحي وجنةً وخدًا، ليأتي الصباح المشرق بأمل الحرية، ويدعو للكفاح، وعدم الاستسلام لليأس والحزن، فلا سلام ولا نجاح من غير جهادٍ، وبذلٍ، وتضحية، ويدعو الشاعر هنا لعدم اليأس والاستسلام.

فيقول:[٢]


وبعد زمان أطل الصباح كطفل على مهده يبسم كعذراء بين مروج البطاح تتيه وترقص أو تحلم كثغر الورود كخد الاقاح على حزن ضاحك ينعم ونادى المنادي الكفاح الكفاح وداووا به يأسكم تسلموا فما من سلام وما من نجاح بغير الجهاد فلا تساموا


العاطفة في قصيدة ليل وصباح

العاطفة وجدانية، تتجلى من خلال تجربة الشاعر الذاتية، وتصوير الليل بما فيه من سهرٍ، وحزنٍ، وألمٍ، ليختتم القصيدة بمشاعر من الأمل بالصبح القادم، وتتجلى في الدعوة إلى الحرية، والكفاح لأجلها، وعدم اليأس، أو الاستسلام.

المراجع

  1. دكتور عدلي الهواري، "عبد الكريم ثابت: شاعر الحياة والوجدان"، عود الند، العدد 100، المجلد 10، صفحة 96-107. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث ج عبد الكريم ثابت (1948)، Writer_1948/Issue_32/index.html "ليل وصباح"، مجلة الكاتب المصري، العدد 32، المجلد 8، صفحة 539-542.