قصيدة غرناطة هي للشاعر نزار قباني، وقد كتبها عندما زارها وزار قصر الحمراء، وكانت معه مرشدة سياحية إسبانية تخبره أنّ قصر الحمراء وغرناطة هي ميراث أجدادها وتاريخهم، فاندهش مما قالته، ومن تغيير الحقائق؛ لأنها كانت للعرب واستعمرها الإسبان وسلبوهم إيّاها، فقال هذه القصيدة متأثرًا بما قالته. ونزار شاعر عربي معروف مولود بدمشق عام 1923م، ويعد مدرسةً شعريةً بحد ذاته، ذات سماتٍ متفردة عن غيره في المواضيع والخصائص الفنية في أشعاره ومؤلفاته، وله الكثير من المؤلفات الجميلة مثل: "قالت لي السمراء" وهي أول مجموعة شعريّة له، وقد ترك العديد من الدواوين الأخرى منها:"طفولة نهد"، و"أنتِ لي"، وغيرها.[١][٢]


مناسبة قصيدة غرناطة

كتب نزار قباني هذه القصيدة كما أشرنا بالمقدمة عند زيارته لقصر الحمراء متأثرًا بما قالته له المرشدة السياحية عن الحضارة الإسبانية، وارتباطها بتاريخها، وتفصيل هذا التاريخ، وبأنّ هذا القصر من تركه هم أجدادها، فكتب هذه القصيدة مستغربًا مما قالته.[٢]


شرح قصيدة غرناطة

تتكون قصيدة غرناطة للشاعر نزار قباني من 20 بيتًا، فيما يأتي شرحٌ لها:[٣]



في مدخل الحمراء كان لقاؤن ا ما أطـيب اللقـيا بلا ميعاد


يستهل الشاعر القصيدة بذِكر لقاءه الأول مع فتاته في غرناطة، وتحديدًا في قصر الحمراء لقاءً بلا ميعاد، فتظهر مشاعر الغبطة على الشاعر لهذه الصدفة، ويعبر بأنها من أجمل اللقاءات في حياة المرء.[٤]



عينان سوداوان في حجريهم  تتوالـد الأبعاد مـن أبعـاد


في البيت الثاني يبدأ الشاعر وصف جمال عيون الفتاة التي التقاها، بعينيها السوداوين ذات الملامح العربية، ملامح أعادته إلى تاريخه الجميل في بلاده العربية.[٤]



هل أنت إسبانية ؟ ساءلـتها  قالت: وفي غـرناطة ميلادي


بعد التأمل بهذه الصدفة بينه وبين الدليل بسؤال الفتاة عن الهوية لظنه بأنها عربية، فيقول: "هل أنت إسبانية؟!" متعجبًا، لترد بالإيجاب، بأن أصولها إسبانية، وتؤكد بأن غرناطة مسقط رأسها.[٤]



غرناطة؟ وصحت قرون سبعة في تينـك العينين.. بعد رقاد



وأمـية راياتـها مرفوعـة وجيـادها موصـولة بجيـاد


يقول الشاعر أنّ هذه الفتاة أيقظت بحديثها معه عن غرناطة سبعة قرونٍ مضت وبدا متعجبًا ومستذكرًا تاريخ أجداده، إشارةً لحكم الأمويين للأندلس، ليمر من أمام عينيه مجد العرب في تلك الحقبة، وكان لجمال عينيها دورًا باستحضار هذا التاريخ بعد رقادٍ، أي بعد أمدٍ من اختفاء ذكر ذلك التاريخ [٥]، كما ويفخر بجياد بني أمية، وفرسانهم الذين يتمتعون بالعدد الكبير، إشارةً للغلبة.[٦]



ما أغرب التاريخ كيف أعادني  لحفيـدة سـمراء من أحفادي



وجه دمشـقي رأيت خـلاله  أجفان بلقيس وجيـد سعـاد



في طيب جنات العريف ومائها في الظل في الريحان في الكبادِ



ورأيت منـزلنا القديم وحجرة كانـت بها أمي تمد وسـادي


واليـاسمينة رصعـت بنجومه والبركـة الذهبيـة الإنشـاد


يتعجب الشاعر في هذه الأبيات من التاريخ الذي أعاده إلى هذه الفتاة معتبرًا إياها من أحفاد العرب، ولقد رأى فيها ماضيهم، وأيقظت حياة أهل دمشق اليومية فيه، ومن جمال النساء الدمشقيات، وجمال جنانها، وظلها.[٦]



ودمشق، أين تكون؟ قلت ترينه في شعـرك المنساب ..نهر سواد


في وجهك العربي، في الثغر الذي ما زال مختـزناً شمـوس بلادي



في طيب "جنات العريف" ومائه في الفل، في الريحـان، في الكباد


بدورها تسأله الدليلة الإسبانية عن دمشق بحنانٍ وحب، لتقول ودمشق، أين تكون؟ ليرد نزار قباني متحمسًا بأنّ دمشق موجودة في شعرها المنساب، ووجهك ذو الملامح العربية التي تختزل صورة بلاده في ذهنه، وضحتك، ومفاتنك، مصورًا غرناطة بامرأة دمشقية ذات جمالٍ كأنما دعا هنا الإسبانية لتنظر في المرآة لترى دمشق في صورتها.[٦]



سارت معي.. والشعر يلهث خلفه كسنابـل تركـت بغيـر حصاد



يتألـق القـرط الطـويل بجيده مثـل الشموع بليلـة الميـلاد..



ومـشيت مثل الطفل خلف دليلتي وورائي التاريـخ كـوم رمـاد



الزخـرفات.. أكاد أسمع نبـضه والزركشات على السقوف تنادي


ترافق الدهشة نزار قباني في أثناء مسيره مع الدليلة الإسبانية، فيشبهها شعر الفتاة كسنابل القمح في تموّجها، صورةً تعيده لبراءة الطفولة، ويصف قرطها بشموع الميلاد، ثم يسترسل ليخبرنا أنه مشى خلفها كالطفل مستذكرًا تاريخ أمته الذي أضحى رماد، والصور أمام عينيه من زخارف المكان التي على سقوفه.[٤]



قالت: هنا "الحمراء" زهو جدودن فاقـرأ على جـدرانها أمجـادي



أمجادها؟ ومسحت جرحاً نـازف ومسحت جرحاً ثانيـاً بفـؤادي


تخبر الدليلة الشاعر نزار قباني بعد أن وصل لمبتغاه إلى قصر الحمراء بأنّ هذه الحمراء إرث جدودها مفتخرة، ليظهر الشاعر في البيت التالي استغرابه، ويصعق بما قالته، ويشعر بالأسف كأنما أصابه جرح بفؤاده من صدمته، ليتمنى في البيت الأخير لو أنّ الدليلة تعرف أن هذا المجد لأجداده هو لا أجدادها. بقوله ختامًا:[٤]


يا ليت وارثتي الجميلة أدركت أنّ الذين عنتهم أجدادي



الأسلوب الذي استخدمه نزار قباني في هذه القصيدة

يتسم الأسلوب الذي استخدمه نزار قباني في هذه القصيدة بما يأتي:[٧]

  • استخدم نزار قباني رمزية الوطن في التعبير عن أشواقه له، وما يتعلق بدمشق والأندلس.
  • تكررت الصور البيانية والشعرية في قصيدته في تصوير مشاعره، ووصف الفتاة الإسبانية، وتقاطع ملامحها مع وطنه.
  • ظهور غزله بالمرأة، وهي سمة عامة لأشعار نزار قباني.


الصور الشعرية في القصيدة

تزخر القصيدة بالصور الشعرية، وفيما يأتي أجملها تصويرًا:

  • 
    ومـشيت مثل الطفل خلف دليلتي وورائي التاريـخ كـوم رمـاد
    

يصور الشاعر نفسه بالطفل البريء المولع بتاريخه الماضي أمام هذا التاريخ المهدوم، فيمضي آسفًا على تاريخه المتداعي أمام عينيه من تاريخ حكم العرب للأندلس بالرماد، في صورةٍ بلاغية غايةً في الجمال تدل على أسى الشاعر من الحاضر المر لتاريخ بلاده.[٦]

  • 
    سارت معي.. والشعر يلهث خلفه كسنابـل تركـت بغيـر حصاد
    

يقول نزار قباني أنّ الفتاة الأسبانية سارت بقربه وكأن شعرها يركض خلفها، كسنابل القمح الناضجة التي تأخر موعد حصادها، وهي تخبئ النضج في مفاتنها، وتموّج شعرها الذي يشبه تموّج هذا القمح، في صورةٍ شعرية مفعمة بالعاطفة، مستخدمًا استعارةً مكنية.[٦]

  • 
    يتألـق القـرط الطـويل بجيده مثـل الشموع بليلـة الميـلاد..
    

يصف نزار قباني أناقة الفتاة الإسبانية وتناسق قوامها بذكر طول قرطها المشابه لطول عنقها، والذي يلمع في أذنيها كالشموع في ليلة الميلاد، مستخدمًا الكناية لتوضيح الصورة الفنية في هذا البيت.[٦]

المراجع

  1. علي أحمد العرود، جدلية نزار قباني في النقد العربي الحديث، صفحة 11-15-1. بتصرّف.
  2. ^ أ ب محمد مبروك، الفيزياء البشرية: عالَمٌ كبير تُحرِّكه تفاصيلٌ دقيقة وقوانين مفقودة، صفحة 169. بتصرّف.
  3. نزار قباني، ديوان الرسم بالكلمات، صفحة 53. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث ج "المرأة والأندلس وثلاثة شعراء"، مجلة الفيصل، 9/6/2021، العدد 217، صفحة 28. بتصرّف.
  5. يحيى محمد حلح، وصحت قرون&dq=غرناطة وصحت قرون&hl=ar&sa=X&ved=2ahUKEwjlvK6hqYrxAhWMHOwKHYMEBiwQ6AEwAXoECAsQAg قراءة في ادب نزار قباني، صفحة 41. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ت ث ج ح إبراهيم مناهلل وعزالدين لعباشي، الدلالات الرمزية في شعر نزار قباني قصيدة في مدخل الحمراء ) أنموذجا (، صفحة 99. بتصرّف.
  7. إبراهيم منا لله، عز الدين لعباشي، الدلالات الرمزية في شعر نزار قباني قصيدة في مدخل الحمراء أنموذجا، صفحة 4-6. بتصرّف.