معلقة لبيد بن ربيعة

تعد هذه القصيدة إحدى معلقات الشعر الجاهلي، وهي تعود للشاعر لبيد بن ربيعة العامري، الذي عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام فأسلم، وكان لبيد فارسًا شجاعًا إلى جانب قوله الشعر، وعايش في حياته ظروفًا عدّة وسّعت تجربته وجعلت اسمه يلمع في مجال الشعر والأدب، وقد عُدّ في الطبقة الثالثة عند ابن سلام الجمحي، فوثّق في شعره وقائع قبيلته وعدد أيامهم وفرسانهم.[١][٢]


شرح معلقة لبيد بن ربيعة

تُصنّف معلقة لبيد بن ربيعة ضمن قصائد الفخر؛ إذ يفخر فيها الشاعر بنفسه وبقبيلته، متغنيًا بصفاته وبصلابته، وبصنيع قومه وعزتهم، وهي قصيدة طويلة تقع في (89) بيتًا، وقد قسمت هذه المعلّقة على غرار التقاليد الجاهلية إلى عدّة لوحات أو مقاطع، فيما يأتي شرح موجز لبعض منها:[٣][٤]


شرح المقطع الأول


عَفَتِ الدِيارُ مَحَلُّها فَمُقامُها بِمَنىً تَأَبَّدَ غَولُها فَرِجامُها فَمَدافِعُ الرَيّانِ عُرِّيَ رَسمُها خَلَقاً كَما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعدَ عَهدِ أَنيسِها حِجَجٌ خَلَونَ حَلالُها وَحَرامُها رُزِقَت مَرابيعَ النُجومِ وَصابَها وَدقُ الرَواعِدِ جَودُها فَرِهامُها مِن كُلِّ سارِيَةٍ وَغادٍ مُدجِنٍ وَعَشيَّةٍ مُتَجاوِبٍ إِرزامُها فَعَلا فُروعُ الأَيهُقانِ وَأَطفَلَت بِالجَهلَتَينِ ظِبائُها وَنَعامُها وَالعَينُ ساكِنَةٌ عَلى أَطلائِها عوذاً تَأَجَّلُ بِالفَضاءِ بِهامُها وَجَلا السُيولُ عَنِ الطُلولِ كَأَنَّها زُبُرٌ تُجِدُّ مُتونَها أَقلامُها أَو رَجعُ واشِمَةٍ أُسِفَّ نُؤورُها كِفَفاً تَعَرَّضَ فَوقَهِنَّ وِشامُها فَوَقَفتُ أَسأَلُها وَكَيفَ سُؤالُنا صُمّاً خَوالِدَ ما يُبينُ كَلامُها عَرِيَت وَكانَ بِها الجَميعُ فَأَبكَروا مِنها وَغودِرَ نُؤيُها وَثُمامُها



يفتتح الشاعر قصيدته كعادة القصائد في العصر الجاهلي بمقدمة طللية يبكي فيها على ديار المحبوبة وما آلت إليه، وتحدث عنها بنبرة الحسرة والحزن، ووقف يستنطق الحجر عن أحوال الذين ارتحلوا عن الديار، لكن هيهات أن ينطق الحجر، فقد هُجرت منذ سنوات ومعالمها لم تعد ظاهرة، وهطلت عليها الأمطار الشديدة في مختلف الأوقات، فنما النبات فيها وتناسلت الأنعام، لكنها بالرغم من ذلك بقيت خاوية وخلّفت إحساسًا بالوحشة والخواء؛ لأن الأحباب ليسوا فيها، وقد عكس الشاعر من خلال رسم هذه الصورة رغبته بتخطّي الواقع واجتيازه نحو الأمل المشرق، ومن المفردات التي تحتاج إلى توضيح ما يأتي:[٥]

  • عفت: درست وامّحت.
  • محلها: حيث يحلّ القوم.
  • تأبّد: توحّش؛ أي أنه أصبح موحشًا لا أنيس فيه.
  • الرجام: اسم جبل.
  • المدافع: مجاري الماء.
  • عرّي رسمها: ارتحل عنه.
  • الوُحي: الكتابة.
  • السلام: الحجارة.
  • الدمن: جمع دمنة، وهي آثار الناس.
  • تجرّم: انقطع.
  • حجج: جمع حجة، وهي السنة.
  • الودق: المطر.
  • الرهام: المطر الضعيف.
  • المدجن: الغيم المتلبد.
  • الإرزام: الصوت الشديد.
  • الأطلاء: الأولاد.


شرح المقطع الثاني


شاقَتكَ ظُعنُ الحَيِّ حينَ تَحَمَّلوا فَتَكَنَّسوا قُطُناً تَصِرُّ خِيامُها مِن كُلِّ مَحفوفٍ يُظِلُّ عَصِيَّهُ زَوجٌ عَلَيهِ كِلَّةٌ وَقِرامُها زُجَلاً كَأَنَّ نِعاجَ توضِحَ فَوقَها وَظِباءَ وَجرَةَ عُطَّفاً آرامُها حُفِزَت وَزايَلَها السَرابُ كَأَنَّها أَجزاعُ بيشَةَ أَثلُها وَرُضامُها



في هذا المقطع ينتقل الشاعر إلى لوحة الظعائن الجميلة، ويصفها بأنها رشيقة وهوادجها مغطاة بالستائر والأقمشة، ومن الداخل كانت مفروشة بالأثاث الفاخر، وتسير وسط الوديان والجبال يلفها السراب، وكانت هذه الظعائن عندما ترتفع وتتحرك تبدو كأنها أشجار الأثل أو الصخور الضخمة في وادي بيشة، ومن المفردات التي تحتاج إلى توضيح ما يأتي:[٥]

  • شاقتك: أثارت شوقك.
  • الظعن: الإبل التي عليها الهوادج.
  • قطنًا: الجماعة أو سكان الدار.
  • كِلّة: ستر رقيق.
  • القرام: الغطاء.
  • زُجَلًا: جماعات.
  • وجرة: اسم بلد.
  • الآرام: الظباء البيض.
  • زايلها: حرّكها.
  • الأجزاع: جمع جزع، وهو منعطف الوادي.
  • بيشة: اسم وادٍ في نجد.
  • الأثل: نوع من الشجر.
  • الرضام: الصخور المجتمعة.


شرح المقطع الثالث


بَل ما تَذَكَّرُ مِن نَوارَ وَقَد نَأَت وَتَقَطَّعَت أَسبابُها وَرِمامُها مُرِّيَّةٌ حَلَّت بِفَيدِ وَجاوَرَت أَهلَ الحِجازِ فَأَينَ مِنكَ مَرامُها بِمَشارِقِ الجَبَلَينِ أَو بِمُحَجَّرٍ فَتَضَمَّنَتها فَردَةٌ فَرُخامُها فَصُوائِقٌ إِن أَيمَنَت فَمَظِنَّةٌ فيها وِحافُ القَهرِ أَو طِلخامُها فَاِقطَع لُبانَةَ مَن تَعَرَّضَ وَصلُهُ وَلَشَرُّ واصِلِ خُلَّةٍ صَرّامُها وَاِحبُ المُجامِلَ بِالجَزيلِ وَصَرمُهُ باقٍ إِذا ضَلَعَت وَزاغَ قِوامُها بِطَليحِ أَسفارٍ تَرَكنَ بَقِيَّةً مِنها فَأَحنَقَ صُلبُها وَسَنامُها وَإِذا تَغالى لَحمُها وَتَحَسَّرَت وَتَقَطَّعَت بَعدَ الكَلالِ خِدامُها فَلَها هِبابٌ في الزِمامِ كَأَنَّها صَهباءُ خَفَّ مَعَ الجَنوبِ جَهامُها أَو مُلمِعٌ وَسَقَت لِأَحقَبَ لاحَهُ طَردُ الفُحولِ وَضَربُها وَكِدامُها



يبدأ الشاعر هذا المقطع -والذي يمثل لوحة وصف الناقة- بسؤال نفسه عما يُفيد تذكر من بعدت عنه وانقطع وصالها، وأصبحت بينهما مسافات شاسعة، فهذا الفراق أفضى إلى اتخاذه قرارًا بأن يقطع الصلة بها، وذلك من خلال السفر على ناقة مدربة على الأسفار وتجري بسرعة كبيرة، ووصفها وصفًا دقيقًا، إذ إنها أصبحت ضامرة، ومهما عانت من تعب وإعياء، إلا أن نشاطها لا يقلّ، وقد شبه قوتها تلك بمشهد كامل لأنثى الحمار التي استبان حملها وأخذت تجري من حمار عنيف يطاردها، ومن المفردات التي تحتاج إلى توضيح ما يأتي:[٥]

  • نأت: بَعُدَت.
  • الأسباب: الحبال.
  • الرمام: الحبال الضعيفة، والتي كادت تتقطع.
  • فردة: ماء من مياه نجد.
  • رخام: اسم جبل.
  • صوائق: اسم جبل قرب مكة.
  • طلخام: وادٍ أو أرض.
  • لبانة: حاجة.
  • الخلة: المودة.
  • الجزيل: الكثير.
  • ضلعت: اعوجّت.
  • زاغ قوامها: مال ولم يستقم.
  • تغالى: ارتفع إلى رؤوس العظام.
  • تحسرت: سقط وبرها.
  • هباب: نشاط.
  • وسقت: حملت.
  • لاحه: أضمره.
  • الكدام: العضّ.


السمات الفنية في معلقة لبيد بن ربيعة

تميزت معلقة الشاعر لبيد بن ربيعة بخصائص وسمات فنية عديدة عن غيرها من القصائد، من ضمنها ما يأتي ذكره:[٦]

  • شكلت معلقة لبيد بن ربعة انعكاسًا حقيقيًا لطبيعة حياة الجاهلي وبيئته.
  • بثّ الحكمة بين العديد من أبيات القصيدة.
  • جزالة الألفاظ المستخدمة في القصيدة وقوتها.
  • الدقة العالية في انتقاء الألفاظ والعبارات والتراكيب.
  • توظيف الصورة الشعرية بما فيها من استعارات ومجازات، والتي تنقل القارئ من عالمه الحسّي إلى عالم آخر.
  • جمال الإيقاع الموسيقي للقصيدة وملاءمته لموضوعاتها.


المراجع

  1. محمد خليل الخلايلة، شعرية التكرار قراءة في ديوان لبيد بن ربيعة، صفحة 2. بتصرّف.
  2. لبيد بن ريعة، ديوان لبيد بن ربيعة العامري، صفحة 12. بتصرّف.
  3. إيمان مرواني، تخرج.pdf ملعقة لبيد بن ربيعة، صفحة 27. بتصرّف.
  4. علي الجندي، في تاريخ الأدب الجاهلي، صفحة 306. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ت لبيد بن ربيعة، ديوان لبيد بن ربيعة العامري، صفحة 163. بتصرّف.
  6. إيمان مرواني، تخرج.pdf معلقة لبيد بن ربيعة دراسة جمالية، صفحة 70. بتصرّف.