قصيدة شاعر الحرّيّة

ترجع قصيدة "شاعر الحرّيّة" إلى الشّاعر محمّد الحلوي، وهو واِحِدٌ من كبار الشّعراء المغربيين، وأحد الشّعراء المُناضلين. دعا الشّاعر محمّد الحلويّ إلى الإخاء والتآخي بين البشر في شعره، فكان يحرص على إيصال أفكاره من خلال أشعاره. بدأت تجربته الشّعريّة في العقد الثّاني من عُمره، وعايش خلال شبابه صراع السلفيّة ضد الانحراف الدينيّ، والصّراع السّياسيّ ضد الاستعمار، فكانَ يُعبِّرُ عن رأيه بالحرف والكلمة، حيثُ كانَ لشعره أثرٌ على النّفوس، وذلك بسبب روعة أسلوبه، وجمال شعره، وقريحته الشّعريّة.[١]


مُناسبة القصيدة

نظم الشّاعر محمّد الحلوي قصيدته "شاعر الحرّيّة" في ذكرى الشّاعر أبي القاسم الشّابّيّ.[٢]


تحليل وشرح القصيدة

يقول الشاعر محمد الحلوي:[٣]


كَالنّسر حلّقَ في عنـــــان سمـــــاء والنّجم شعّ بتونسَ الخضراء

يستذكر الشّاعر محمّد الحلو أبي القاسم الشابي، الّذي كان نجمًا يشعّ في تونس الخضراء.


ثم يقول:[٣]


صوتٌ تردّد في فضاء عروبتــــي عذْبُ المثاني ساحر الأصداء وهزارُ شعرٍ أطربت ألحـــــانـــــهُ وشدَا بروضة تونسَ الغنّــاء صاغ القريضَ مشاعلًا ومشى بها متحدّيًــا في ثـــورة بيضــاء

يشيد الشّاعر محمّد الحلوي بقصائد بأبي القاسم الشابي، الّتي كان لها تأثير بالغ، حيث يصل صداها بعيدًا، فهو شاعر الطّبيعة الّذي جعل شعره في وصف جمال الطّبيعة حينًا، وفي استنهاض الهمم للثّورة حينًا آخر.


ويقول:[٣]


لم تلهــــــه حســـنـــاء فاتنـــة ولا كــأسٌ تُـــدار بليلــة حمــــراء

كان الشّاعر الشابي متحلّيًا بأفضل الأخلاق، حيث كان عفيفًا متنزّهًا عن النّساء، والخمرة، ومجالس اللهو، والعبث.


ثم يقول:[٣]


قد أرّقته هموم تونس فانتـــضـــى من شعره سيفا على الأعـــداء كالنّار كان توقّدًا وتأجّجًــــــــــــا والرّعدِ يقصفهم من الأجــــواء

لقد جعل الشّابي شعره مناصرًا للحقّ، وسيفًا في وجه الأعداء، فلطالما أرّقته هموم بلده تونس المحتلّة، فجعل من شعره نارًا متأججة في وجه الأعداء، ورعدًا قاصفًا لهم.


ويقول:[٣]


قيثـــــارةٌ لم تنقطـــــع أوتـــارها واسمٌ تألّق في دنــى الأسمــاء أصغى إليه البحرُ في صلواتــــه سحَرًا وحنّ إليــه في الأمسـاء وعرائسُ الزّيتون في ربواتهـــا واليــاسميــنُ قـــلادةُ العـــذراء

لقد كان الشّاعر الشّابي رقيقًا، ينظم شعره في الطّبيعة، ويمضي يومها بين ثناياها يصدح بصوته الحلو كقيثارةٍ لم تنقطع أوتارها، فبرز اسمه بين الشّعراء، وأصغى له البحر في صلواته في الفجر والمساء. وحتّى أشجار الزّيتون، والياسمين، والرّوابي كلّها كانت تصغي لقوله، ولرقّة شعره.


ثم يقول:[٣]


ما الشّعر إلا شعلةٌ لو لم تضئ هذا الوجودَ لعاش في صحراء

إنّ وظيفة الشّعر أن يكون شعلةً تضيء دروب هذا الوجود المظلم، ولولا شعر أبي القاسم الشّابيّ المشرق لأصبح الوجود مظلمًا، ولألغيت مظاهر الطّبيعة، وحلّت الصّحراء. وهذا يدلّ على تأثير شعر الشّابيّ العظيم، والّذي كان في الطّبيعة.


ويقول:[٣]


نبضات قلبٍ والتهابُ مشاعرٍ وشموعُ عرسٍ أو دموع رثاء

ينبض القلب، وتلتهب المشاعر لذكره، فتحتفل الشموع بذكراه، أو تكثر دموع الرّثاء؛ لموته، وفقده.


ثم يقول:[٣]


يا شاعرًا ما كان أقصر عمره والموتُ يخطف أنفس النّبغـاء هلّا تراخى الموتُ حتّى تحتف بالنّصر تشهـــده وبالأجــــلاء وترى مواكبَ تونسِ في عرسها وحبيبها في القمّة الشّــمَّـــــاء

يتحسّر الشّاعر محمّد الحلوي لموت أبي القاسم الشّابيّ، وهو ما زال في ريعان شبابه مريضًا، ويقرّ أنّ الموت يخطف أصحاب العقول النّيّرة، والآن في ذكراه يريد الشاعر أن يحتفل بالشابيّ الّذي كان جليلًا مناصرًا للحقّ، وهو يلمع في القمّة شامخًا عظيمًا بحلو أثره.


ثم يقول:[٣]


من لقّن الأجيالَ حــــبّ بــلادها وفداءها بالرّوح والأبنــــــــاء إن غاب فهو الزّهرُ يترُك بعدما يذوي ذكيّ العطر والأشـــذاء

يستحقّ الشّابيّ أن يُخلّد ذكره، فقد أمضى حياته القصيرة محبًّا لبلاده، ومنافحًا عنها بروحه، وشعره الّذي كان يستنهض به همم الشّباب، وهو إن غاب عن الحياة فلن يغيب ذكره، فقد ترك فينا أثرًا لا يزول كبقاء العطر بالزّهور.


ويقول:[٣]


يهنيه شعبٌ عاش ملء عيونـــــه وفّى لقائــده أجـــــلّ وفـــــاء يهنيه أنّ الشّعب كسّـــر قــيــــده لما أراد وهبّ للإنـــــشــــــاء

إنّ الشّعب التّونسيّ وفّي بعهده للشّابيّ، الّذي كان يرى أنّ على الشّباب الدّفاع عن بلدهم تونس، وأن يكسّروا قيود الاستعمار، ويتحرّكوا للنّضال والكفاح.

ثم يقول:[٣]


قرّت عيونك فاسترح يا شاعري في روضةٍ غنّا مع الشّــهـــداء واسجدْ لربّك في فنــانك رافــلًا من حبّنا في حلِّــــةٍ خضـراء

يدعو الشّاعر محمّد الحلوي لأبي القاسم بالرّاحة في قبره، هنيًّا، قرير البال مع الشّهداء، وأن يجعل الله قبره روضةً خضراءَ من رياض الجنّة.


الصّور الفنّيّة والاستعارات

  • "كَالنّسر حلّقَ في عنـــــان سمـــــاء والنّجم شعّ بتونسَ الخضراء": صوّر الشّاعر الشّابيّ كالنّسر الّذي يحلّق في أعالي السّماء، كما صوّره في الشّطر الثّاني بالنّجم المشعّ.
  • "فانتـــضـــى من شعره سيفا على الأعـــداء": صوّر الشّاعر شعر الحقّ كالسّيف القاطع.
  • "كالنّار كان توقّدًا وتأجّجًــــــــــــا والرّعدِ يقصفهم من الأجــــواء": صوّر الشّاعر قصائد الشّابيّ الحرّة، كالنّار الحارقة، كما صوّرها كالرّعد الّذي يقصف الأجواء.


السّمات الأسلوبيّة في قصيدة الشّاعر محمّد الحلويّ

يُعتبر الشّاعر محمد الحلويّ من رموز النَّهضة الأدبيَّة الحديثة بالمغرب، وعلمًا من أعلامها، فمن النّاحية الأسلوبيّة يتميّز محمّد الحلوي في شعره بتجربته الإبداعيّة الطّويلة، وبذاكرته التّراثيّة القويّة، ومخزونه الثّقافيّ المتنوّع، وبتنويعه في الموضوعات الشّعريّة في قصائده، كلّما اقتضى المقام إلى ذلك، كما تناول شعره كافّة الأغراض الشّعريّة المتداولة في الشّعر العربيّ. وعُرف الشّاعر محمد الحلويّ بشعره القوميّ الحماسيّ، فقد تغنّى في أكثر من قصيدةٍ بالبطولات، والجهاد والفداء، وكثيرًا ما كان يلجأ في شعره إلى تنبيه العرب لما في الخلاف من آثارٍ سلبيّة، وكان دائمًا ما يستثير همم الشّعوب العربيّة، ويوقظ فيهم العزيمة. كما احتضن شعره جوانب متعدّدة من مظاهر الحياة المغربيّة سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، ونوّع في نزعته الشّاعريّة الذّاتيّة، والدّينيّة، وظهرت نبرته الوطنيّة، والقوميّة، والاجتماعيّة، والإنسانيّة، ممّا جعل لغته الشّعريّة متنوّعةً، مستمدّةً عناصرها من حقول معجميّةٍ مختلفة.[٤]


ولقراءة تحليل المزيد من القصائد: قصيدة بم التعلل، قصيدة قارئة الفنجان.

المراجع

  1. سيمين ضيايي، علي خضري، دراسة المضامين السياسية والاجتماعية في أشعار محمد عبدالرحمن الحلوي ديوان أوراق الخريف نموذجًا، صفحة 77. بتصرّف.
  2. محمد الحلوي، ديوان أوراق الخريف، صفحة 352. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز محمد الحلوي، ديوان أوراق الخريف، صفحة 352-353.
  4. لرقم، في النص الشعري المغاربي.pdf?fbclid=IwAR0-thOz04f_44tfn1s0BC4aOA4lcsLhqVknk_ZpVBytPw8d2WQlOkNR3Us محاضرات في النص الشعري المغاربي، صفحة 2. بتصرّف.