قصيدة أراك عصي الدمع

هي قصيدة للشاعر أبي فراس الحمداني، اسمه الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي الربعي، يُشار إلى أنّه وُلد في مدينة الموصل في العراق سنة (320 هـ) أو سنة (321 هـ)، نشأ يتيم الأب فتنقلت به أمّه بين بلاد كثيرة حتى استقرت في مدينة "منبج" السورية التي تقع قُرب حلب، وقد عطف عليه ابن عمّه سيف الدولة وأولاه الرعاية والاهتمام، فنشأ وتربى على الشعر والفروسية في بيئة ثقافية خصبة، حتى أصبح شاعرًا وفارسًا مِغوارًا سخّر نفسه لمواجهة الروم، فدفع ثمن ذلك من زهرة شبابه.[١]



مناسبة قصيدة أراك عصي الدمع

توصف قصيدة أراك عصي الدمع بأنها مزيج بين الغزل والفخر، وقد نظمها أبو فراس الحمداني لمّا وقع أسيرًا عند الروم عندما كان برفقة سبعين رجلًا من رجاله، فوقعت معركة بين الطرفين صمد فيها أبو فراس الحمداني حتّى أُثخن بالجراح وأُسِر، فواجه واقعه وبثّ مشاعره في هذه القصيدة، واصفًا شجاعته ومفتخرًا بنفسه وبقومه، وقد بعثها إلى ابن عمّه سيف الدولة يطلب فيها العون من أجل فكّ أسره بعدما تخلّى عنه الجميع.[٢][٣]


شرح قصيدة أراك عصي الدمع

نُظمت قصيدة أراك عصي الدمع على بحر الطويل الذي كان مناسبًا لسرد الوقائع والتغنّي بالأمجاد، وقدّم فيها الشاعر صورة ذكريات تبريرية لنفسه العالقة على مشارف المجد، وفي العموم قسمت القصيدة إلى عدة مقاطع فيما يأتي شرحها وتوضيحها:[٤][٢]


شرح المقطع الأول

استهل أبو فراس الحمداني قصيدته بمطلع غزلي على عادة القصيدة العربية، لكنه غزل مستوحى من موقفه في الأسر، فقد وصف نفسه بأنّه في حالة من الشوق والبُعد عن المحبوبة لكنّه صابر ومتجلّد يأبى دمعه النزول، فظلّ محافظًا على رجولته وفروسيته تاركًا دمعه وشكوى صبابته إلى الليل، وهو وقت لا يراه فيه أحد فيمدّ يد الحبّ والهوى ويذرف الدموع، ثم يناجي طيف محبوبته البعيدة عنه ويلومها على تغيّرها عليه واستماعها للوشاة والحاقدين، مؤكدًا حبّه الشديد لها واستعداده لمحاربة قومه من أجلها، لكنها قابلته بالغدر، ومن أبيات القصيدة التي مثّلت ذلك ما يأتي:[٣][٥]


أَراكَ عَصِيَّ الدَمعِ شيمَتُكَ الصَبرُ أَما لِلهَوى نَهيٌ عَلَيكَ وَلا أَمرُ بَلى أَنا مُشتاقٌ وَعِندِيَ لَوعَةٌ وَلَكِنَّ مِثلي لا يُذاعُ لَهُ سِرُّ إِذا اللَيلُ أَضواني بَسَطتُ يَدَ الهَوى وَأَذلَلتُ دَمعاً مِن خَلائِقِهِ الكِبرُ تَكادُ تُضيءُ النارُ بَينَ جَوانِحي إِذا هِيَ أَذكَتها الصَبابَةُ وَالفِكرُ مُعَلِّلَتي بِالوَصلِ وَالمَوتُ دونَهُ إِذا مِتَّ ظَمآناً فَلا نَزَلَ القَطرُ حَفِظتُ وَضَيَّعتِ المَوَدَّةَ بَينَنا وَأَحسَنَ مِن بَعضِ الوَفاءِ لَكِ العُذرُ



وَما هَذِهِ الأَيّامُ إِلّا صَحائِفٌ لِأَحرُفِها مِن كَفِّ كاتِبِها بَشرُ بِنَفسي مِنَ الغادينَ في الحَيِّ غادَةً هَوايَ لَها ذَنبٌ وَبَهجَتُها عُذرُ تَروغُ إِلى الواشينَ فِيَّ وَإِنَّ لي لَأُذناً بِها عَن كُلِّ واشِيَةٍ وَقرُ بَدَوتُ وَأَهلي حاضِرونَ لِأَنَّني أَرى أَنَّ داراً لَستِ مِن أَهلِها قَفرُ وَحارَبتُ قَومي في هَواكِ وَإِنَّهُم وَإِيّايَ لَولا حُبَّكِ الماءُ وَالخَمرُ فَإِن يَكُ ماقالَ الوُشاةُ وَلَم يَكُن فَقَد يَهدِمُ الإيمانُ ماشَيَّدَ الكُفرُ وَفَيتُ وَفي بَعضِ الوَفاءِ مَذَلَّةٌ لِإِنسانَةٍ في الحَيِّ شيمَتُها الغَدرُ



شرح المقطع الثاني

في المقطع التالي من القصيدة يتساءل الشاعر عن سبب تجاهل محبوبته وتنكّرها له وهو الفتى المعروف لدى الجميع، مازجًا هذا التساؤل بالصبر والفخر، منتقلًا إلى وصف مكانته عند قومه؛ فلا يمكن لأحد من البدو والحضر أن ينكره، وهو الفارس المعروف الذي لا يهاب الحرب والموت، وقد قدّم صورة فنّية يُشير فيها إلى أنّه على استعداد لأن يبقى ظمآنًا حتى ترتوي السيوف والرماح من الدماء وأن يبقى جائعًا حتى تشبع الذئاب والنسور من لحوم القتلى، والمتمعّن في هذا الغزل يُلاحظ أنّ هذه المحبوبة ليست امرأة حقيقية وإنما هي رمز للحرية التي تملّكته ليلًا ونهارًا، فأضحى أسيرًا بعد أن كان أميرًا، ومن أبيات القصيدة التي مثّلت ذلك ما يأتي:[٣][٥]


تُسائِلُني مَن أَنتَ وَهيَ عَليمَةٌ وَهَل بِفَتىً مِثلي عَلى حالِهِ نُكرُ فَقُلتُ كَما شاءَت وَشاءَ لَها الهَوى قَتيلُكِ قالَت أَيَّهُم فَهُمُ كُثرُ فَقُلتُ لَها لَو شِئتِ لَم تَتَعَنَّتي وَلَم تَسأَلي عَنّي وَعِندَكِ بي خُبرُ فَقالَت لَقَد أَزرى بِكَ الدَهرُ بَعدَنا فَقُلتُ مَعاذَ اللَهِ بَل أَنتِ لا الدَهرُ



فَلا تُنكِريني يا اِبنَةَ العَمِّ إِنَّهُ لِيَعرِفُ مَن أَنكَرتِهِ البَدوُ وَالحَضرُ وَلا تُنكِريني إِنَّني غَيرُ مُنكِرٍ إِذا زَلَّتِ الأَقدامُ وَاِستُنزِلَ النَصرُ وَإِنّي لَجَرّارٌ لِكُلِّ كَتيبَةٍ مُعَوَّدَةٍ أَن لايُخِلَّ بِها النَصرُ وَإِنّي لَنَزّالٌ بِكُلِّ مَخوفَةٍ كَثيرٌ إِلى نُزّالِها النَظَرُ الشَزرُ فَأَظمَأُ حَتّى تَرتَوي البيضُ وَالقَنا وَأَسغَبُ حَتّى يَشبَعَ الذِئبُ وَالنَسرُ



شرح المقطع الثالث

يُشير الشاعر إلى أنّه ليس بحاجة إلى الغنى والمال، إنما يُريد الحفاظ على عِرضه ونفسه، كما يذكر أنّ أسره عند الروم ليس نتيجة ضعفه، بل على العكس يرى أنّ الأسر -وقد اتخذه الشامتون مطيّة للحط من شأنه- هو شهادة له بالشجاعة والإقدام، وقد رفض الفِرار واستقبل الموت، فهو مؤمن بالقضاء والقدر، وليس في الموت غضاضة ما دام خلّف وراءه من الذكر الحسن ما يكفي لتذكره على مر العصور، وقد مزج الشاعر فخره بالسخرية من الروم، فهم يمنّون عليه أن تركوا عليه ثيابه، لكن هذه الثياب هو يعتز بارتدائها، فيكفي أنها تحمل رائحة دمائهم بعد أن شقّ صدورهم، وفي النهاية يُنشد الشاعر مجموعة من الأبيات التي تحمل نَفَسَ فخر جماعي، ومن أبيات القصيدة التي مثّلت ذلك ما يأتي:[٦][٣]


وَما حاجَتي بِالمالِ أَبغي وُفورَهُ إِذا لَم أَفِر عِرضي فَلا وَفَرَ الوَفرُ أَسِرتُ وَما صَحبي بِعُزلٍ لَدى الوَغى وَلا فَرَسي مُهرٌ وَلا رَبُّهُ غَمرُ وَلَكِن إِذا حُمَّ القَضاءُ عَلى اِمرِئٍ فَلَيسَ لَهُ بَرٌّ يَقيهِ وَلا بَحرُ وَقالَ أُصَيحابي الفِرارُ أَوِ الرَدى فَقُلتُ هُما أَمرانِ أَحلاهُما مُرُّ وَلَكِنَّني أَمضي لِما لايُعيبُني وَحَسبُكَ مِن أَمرَينِ خَيرَهُما الأَسرُ يَقولونَ لي بِعتَ السَلامَةَ بِالرَدى فَقُلتُ أَما وَاللَهِ مانالَني خُسرُ وَهَل يَتَجافى عَنِّيَ المَوتُ ساعَةً إِذا ما تَجافى عَنِّيَ الأَسرُ وَالضَرُّ هُوَ المَوتُ فَاِختَر ماعَلا لَكَ ذِكرُهُ فَلَم يَمُتِ الإِنسانُ ماحَيِيَ الذِكرُ وَلا خَيرَ في دَفعِ الرَدى بِمَذَلَّةٍ كَما رَدَّها يَوماً بِسَوءَتِهِ عَمروُ يَمُنّونَ أَن خَلّوا ثِيابي وَإِنَّما عَلَيَّ ثِيابٌ مِن دِمائِهِمُ حُمرُ وَقائِمُ سَيفٍ فيهِمُ اندَقَّ نَصلُهُ وَأَعقابُ رُمحٍ فيهِمُ حُطَّمُ الصَدرُ سَيَذكُرُني قَومي إِذا جَدَّ جِدُّهُم وَفي اللَيلَةِ الظَلماءِ يُفتَقَدُ البَدرُ فَإِن عِشتُ فَالطَعنُ الَّذي يَعرِفونَهُ وَتِلكَ القَنا وَالبيضُ وَالضُمَّرُ الشُقرُ وَإِن مُتُّ فَالإِنسانُ لا بُدَّ مَيِّتٌ وَإِن طالَتِ الأَيّامُ وَاِنفَسَحَ العُمرُ وَلَو سَدَّ غَيري ماسَدَدتُ اِكتَفوا بِهِ وَما كانَ يَغلو التِبرُ لَو نَفَقَ الصُفرُ



وَنَحنُ أُناسٌ لا تَوَسُّطَ عِندَنا لَنا الصَدرُ دونَ العالَمينَ أَوِ القَبرُ تَهونُ عَلَينا في المَعالي نُفوسُنا وَمَن خَطَبَ الحَسناءَ لَم يُغلِها المَهرُ أَعَزُّ بَني الدُنيا وَأَعلى ذَوي العُلا وَأَكرَمُ مَن فَوقَ التُرابِ وَلا فَخرُ



السمات الفنية في قصيدة أراك عصي الدمع

تتسم قصيدة أراك عصي الدمع بمجموعة من السمات الفنية، منها ما يأتي ذكره:[٧][٨]

  • تكرار بعض الألفاظ والتراكيب، وذلك يساهم في تأكيد ما أراد الشاعر التعبير عنه.
  • توظيف بعض المحسنات البديعية التي زادت من جمالية القصيدة.
  • توظيف الحكمة وخلاصة تجربة الشاعر في الحياة.
  • شيوع أسلوب النفي في القصيدة، وهو ما يعبّر عن الحالة النفسية للشاعر.
  • استخدام التراكيب الموجزة.

المراجع

  1. عامر عبد الله، تجربة السجن في شعر أبي فراس الحمداني والمعتمد بن عباد، صفحة 27. بتصرّف.
  2. ^ أ ب عمارة دليلة، العمري حفيظة، قصيدة أراك عصيّ الدّمع.pdf دراسة قصيدة "أراك عصي الدمع" لأبي فراس الحمداني دراسة أسلوبية تطبيقية، صفحة 21. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت ث بسمة علاق، دراسة أسلوبية لقصيدة أراك عصي الدمع، صفحة 27. بتصرّف.
  4. خولة بشكيط، الصوت اللغوي والصوت الموسيقي قصيدة "أراك عصي الدمع" أنموذجًا، صفحة 12. بتصرّف.
  5. ^ أ ب العمري حفيظة، عمارة دليلة، قصيدة أراك عصيّ الدّمع.pdf دراسة "أراك عصي الدمع" لأبي فراس الحمداني دراسة أسلوبية تطبيقية، صفحة 22. بتصرّف.
  6. عامر عبد الله، تجربة السجن في شعر أبي فراس الحمداني والمعتمد بن عباد، صفحة 105. بتصرّف.
  7. بسمة علاق، دراسة أسلوبية لقصيدة أراك عصي الدمع، صفحة 34. بتصرّف.
  8. حسام أيوب، علي المومني، قصيدة "أراك عصي الدمع" لأبي فراس الحمداني مقاربة أسلوبية نفسية، صفحة 7. بتصرّف.