قصيدة المواكب لجبران

المواكب هي قصيدة للشاعر اللبناني جبران خليل جبران، أحد شعراء المهجر، وُلد في لبنان عام 1883م، كان موهوبًا منذ صغره وظهرت له بوادر حب المعرفة والثقافة، وهاجر مع عائلته وهو في عمر ثماني سنوات إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك التحق بمدرسة الفنون وتلقّى الدعم لتنمية مواهبه، وعندما عاد إلى بيروت وهو في عمر خمسة عشر عامًا بدأ نشاطاته الأدبية، حتى أصبح أديبًا وشاعرًا يتفاعل مع القضايا المنتشرة في عصره، وصاحب خبرة كبيرة في الكتابة والشعر والفلسفة.[١]


مناسبة قصيدة المواكب

فرّغ جبران خليل جبران في هذه القصيدة مُجمَل أفكاره الفلسفية وآراءه الاجتماعية، وتفاعل فيها مع وجدان الطبيعة وتفاصيلها معللًا ذلك بأنّ الطبيعة سبب السعادة المطلقة، وهي العالم البعيد عن التزييف، وقد سُمّيت هذه القصيدة بالمواكب لأنها تصور مواكب الناس في حياتهم الواقعية الشقية، كما تصور مواكب نفوسهم التي تلهث خلف هدفها البعيد وراء الحياة، وهو الكمال الإنساني بعيدًا عن عالم الماديات المزيّف.[٢][٣]


تحليل قصيدة المواكب

تعدّ قصيدة المواكب لجبران خليل جبران قصيدة طويلة تقع في مئتين وثلاثة أبيات، وهي مبنية على نظام المقاطع والحوار الفلسفي لعرض الأفكار، وفيما يأتي توضيحها وشرحها:[٣]


شرح مقطوعة الخير

يفتتح جبران خليل جبران قصيدته بالحديث عن الخير والشر، فيرى أنّ الناس مجبولون على الشر ولا يفعلون الخير إلا وهم مُكرهون، مصورًا الزمن وكأنّه إنسان يُغير نفوس الناس الضعفاء ويتحكم بهم كأنّهم مجرّد آلات، لكن لا بدّ من مجيء يوم ويتحرر فيه الناس من تحكم هذا الزمن العابث، ثم يصف الشاعر الناس بالقطيع الذي يمشي خلف راعيه دون تفكّر، وهذا هو سبب هلاكهك وضياعهم، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٤]

الخير في الناس مصنوعٌ إذا جُبروا

والشرُّ في الناس لا يفنى وإِن قبروا

وأكثر الناس آلاتٌ تحركها

أصابع الدهر يوماً ثم تنكسرُ

فلا تقولنَّ هذا عالم علمٌ

ولا تقولنَّ ذاك السيد الوَقُرُ

فأفضل الناس قطعانٌ يسير بها

صوت الرعاة ومن لم يمشِ يندثر


شرح مقطوعة الدين

يرى الشاعر أنّه في الغابات تختفي كل الأشياء والقوانين، فجعلها المكان المثالي للعيش؛ إذ إنها تقبل جميع الكائنات على اختلاف أشكالها وألوانها وصفاتها، وفي الغابات لا يوجد كفر، وصوت الناي الذي يصدح فيها هو صوت الدين الحقيقي والخلود، وقد هدف الشاعر من ذلك إلى التأليف والجمع بين الأديان، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٤]


ليس في الغابات راعٍ لا ولا فيها القطيعْ فالشتا يمشي ولكن لا يُجاريهِ الربيعْ خُلقَ الناس عبيداً للذي يأْبى الخضوعْ فإذا ما هبَّ يوماً سائراً سار الجميعْ أعطني النايَ وغنِّ فالغنا يرعى العقولْ وأنينُ الناي أبقى من مجيدٍ وذليلْ ليس في الغابات دينٌ لا ولا الكفر القبيحْ فإذا البلبل غنى لم يقلْ هذا الصحيحْ إنَّ دين الناس يأْتي مثل ظلٍّ ويروحْ لم يقم في الأرض دينٌ بعد طه والمسيح



أعطني الناي وغنِّ فالغنا خيرُ الصلاة وأنينُ الناي يبقى بعد أن تفنى الحياةْ



شرح مقطوعة العدل

يُبدي الشاعر في هذه المقطوعة وجهة نظره في العدل، فيرى أنّه يدعو للسخرية والضحك، وفي قوله "يُبكي الجنّ" كناية عن غياب العدل عن بني البشر، أما قوله "يستضحك الأموات" ففيه استعارة لوصف شدّة بؤس الأحياء وعدم قدرتهم على تحقيق العدالة، كما يرى الشاعر أنّ العدل الذي يقيمه الإنسان هو عدل ظالم؛ فالضعيف بين قومه إذا اقترف خطأ صغيرًا يُعاقب، أما المجرم الكبير فيُصفّق له على أنّه بطل، لذا غاب العدل عن الأرض وساد منطق القوة، أما في الغابات يوجد العدل الحقيقي، فليس هناك نصر للقوي ولا هزيمة للضعيف والكلّ سواء، وقد كرر الشاعر صوت الناي وترانيمه، فهو صوت الخلود الحقيقي، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٤]

والعدلُ في الأرضِ يُبكي الجنَّ لو سمعوا

بهِ ويستضحكُ الأموات لو نظروا

فالسجنُ والموتُ للجانين إن صغروا

والمجدُ والفخرُ والإثراءُ إن كبروا

فسارقُ الزهر مذمومٌ ومحتقرٌ

وسارق الحقل يُدعى الباسلُ الخطر

وقاتلُ الجسمِ مقتولٌ بفعلتهِ

وقاتلُ الروحِ لا تدري بهِ البشرُ

ليس في الغابات عدلٌ

لا ولا فيها العقابْ

فإذا الصفصاف ألقى

ظله فوق الترابْ

لا يقول السروُ هذي

بدعةٌ ضد الكتابْ

إن عدلَ الناسِ ثلجُ

إنْ رأتهُ الشمس ذابْ

أعطني الناي وغنِ

فالغنا عدلُ القلوبْ

وأنين الناي يبقى

بعد أن تفنى الذنوبْ


شرح مقطوعة العلم

يُشير جبران خليل جبران في هذه المقطوعة إلى أنّ بداية العلم هي المعرفة ونهايته تكون بنهاية الإنسان، وبعد ذلك يدعو الناس إلى التعلّم والعيش بطموح، مساويًا منزلة الإنسان المتفرّد بعلمه بمنزلة النبي وهو يمضي بين الناس الذين يعتبرونه غريبًا عنهم لأنهم ما زالوا محكومين بالماضي، كما يصف الشاعر الإنسان المتعلم بالشدة والقوة بالرغم مما يُظهره من لطف ولين، ثم يعود ويقارن ذلك بقانون الغابات التي تختفي فيها ثنائية العلم والجهل، فالجميع يتساوى في امتلاك المعارف والعلوم، مشبهًا علوم الإنسان بالضباب الذي يزول عند سطوع شمس الحقيقة، ومؤكدًا على أنّ صوت الناي أفضل العلوم الخالدة، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٤]

والعلمُ في الناسِ سبلٌ بأنَ أوَّلها

أما أواخرها فالدهرُ والقدرُ

وأفضلُ العلم حلمٌ إن ظفرت بهِ

وسرتَ ما بين أبناء الكرى سخروا

فإن رأيتَ أخا الأحلام منفرداً

عن قومهِ وهو منبوذٌ ومحتقرُ

فهو النبيُّ وبُرد الغد يحجبهُ

عن أُمةٍ برداءِ الأمس تأتزرُ

وهو الغريبُ عن الدنيا وساكنها

وهو المهاجرُ لامَ الناس أو عذروا

وهو الشديد وإن أبدى ملاينةً

وهو البعيدُ تدانى الناس أم هجروا

ليس في الغابات علمٌ

لا ولا فيها الجهولْ

فإذا الأغصانُ مالتْ

لم تقلْ هذا الجليلْ

إنّ علمَ الناس طرَّا

كضبابٍ في الحقولْ

فإذا الشمس أطلت

من ورا الأفاق يزولْ

أعطني النايَ وغنِّ

فالغنا خير العلومْ

وأنينُ الناي يبقى

بعد أن تطفي النجومْ


شرح مقطوعة السعادة

يشبّه الشاعر هنا السعادة بالوهم الذي لا يتحقق، وإن تحقق وتجسّد فالإنسان يملّ منه، تمامًا كالنهر الذي يجري بسرعة في السهول وما إن يصل مصبّه يُصبح بطيئًا، فالسعادة التي يظنّ الإنسان أنها تكمن في تحقيق الطموح والأمل عندما تتحقق تصبح وهمية، ثم يعود الشاعر إلى قانون الغاب الذي يختفي فيه الملل والطلب، فهو الأمل لكلّ شيء، مؤكدًا على أنّ الغناء هو سر السعادة الحقيقية، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٤]

وما السعادة في الدنيا سوى شبحٍ

يُرجى فإن صارَ جسماً ملهُ البشرُ

كالنهر يركض نحو السهل مكتدحاً

حتى إذا جاءَهُ يبطئ ويعتكرُ

لم يسعد الناسُ إلا في تشوُّقهمْ

إلى المنيع فإن صاروا بهِ فتروا

فإن لقيتَ سعيداً وهو منصرفٌ

عن المنيع فقل في خُلقهِ العبرُ

ليس في الغاب رجاءٌ

لا ولا فيه المللْ

كيف يرجو الغاب جزءاً

وعَلىَ الكل حصلْ

وبما السعيُ بغابٍ

أَملاً وهو الأملْ

إنّما العيش رجاءً

إِحدى هاتيك العللْ

أعطني النايَ وغنِّ

فالغنا نارٌ ونورْ

وأنين الناي شوقٌ لا يدانيهِ الفتور


شرح مقطوعة وصف الغابة والطبيعة

تختلف هذه المقطوعة عن سابقاتها من حيث البنية والتركيب، فيعود الشاعر بمخيلته إلى موطنه لبنان بطبيعته الآسرة والخلابة، متخيلًا نفسه بين سهولها وجبالها، وداعيًا الناس إلى ترك المدن الزائفة والاستمتاع بحياة الطبيعة، حيث يكمن سرّ الوجود بين الصخور والأزهار وجداول الماء، ومن أبيات القصيدة التي مثلت ذلك ما يأتي:[٤]

هل اتخذتَ الغاب مثلي

منزلاً دون القصورْ

فتتبعتَ السواقي

وتسلقتَ الصخورْ

هل تحممتَ بعطرٍ

وتنشفت بنورْ

وشربت الفجر خمراً

في كؤُوس من أثير

هل جلست العصر مثلي

بين جفنات العنبْ

والعناقيد تدلتْ

كثُريّات الذهبْ.


السمات الفنية في قصيدة المواكب

تتسم قصيدة المواكب بمجموعة من السمات الفنية، منها ما يأتي ذكره:[٥]

  • تكرار بعض الألفاظ والتراكيب في القصيدة، بهدف التأثير في المتلقي وإقناعه.
  • شحن القصيدة ببعض الدلالات المكانية.
  • كثرة الصور الفنية والتشبيهات والاستعارات.
  • استعمال أسلوب التوكيد في هذه القصيدة.


المراجع

  1. أسماء بوجمعة، سميرة قراي، البنية التركيبية في قصيدة المواكب لجبران خليل جبران دراسة تداولية.pdf خصائص البنية التركيبية في قصيدة المواكب لجبران خليل جبران، صفحة 80. بتصرّف.
  2. آمال إبراهيم مصطفى، جماليات التضاد في قصيدة المواكب لجبران خليل جبران، صفحة 5. بتصرّف.
  3. ^ أ ب حاجم صارة، الأبعاد الإنسانية في أدب جبران خليل جبران، صفحة 44. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث ج ح حاجم صارة، الأبعاد الإنسانية في أدب جبران خليل جبران، صفحة 49. بتصرّف.
  5. أسماء بوجمعة، سميرة قراي، البنية التركيبية في قصيدة المواكب لجبران خليل جبران دراسة تداولية.pdf خصائص البنية التركيبية في قصيدة المواكب لجبران خليل جبران، صفحة 65. بتصرّف.