قصيدة المساء لإيليا أبو ماضي

نظم إيليا أبو ماضي أحد شعراء المهجر قصيدة بعنوان "المساء"، وهو شاعر لبناني وُلد عام 1889م في قرية لبنانية تُدعى "المحيدثة"، وقد حباها الله بطبيعة آسرة أخاذة، فكان إيليا أبو ماضي يُمضي أغلب وقته فيها مستمتعًا بجمالها وسحرها، فيختزل في نفسه المشاعر تجاهها، ولعلّ ذلك كان من الأسباب التي أدت إلى ظهور النزعة الرومانسية في شعره إلى حدّ أن يتخذ من مظاهر الطبيعة عناوين لبعض قصائده، من ضمنها القصيدة التي نحن بصدد شرحها وتحليلها.[١]


مناسبة قصيدة المساء لإيليا أبو ماضي

بثّ إيليا أبو ماضي في قصيدة "المساء" ما في داخله من مشاعر وأحاسيس، فدعا من خلالها الإنسان المتشائم إلى الإقبال على الحياة، والنظر إليها بتفاؤل وأمل، لبناء مستقبل جميل والاستمتاع بغدٍ أفضل.[٢]


تحليل قصيدة المساء لإيليا أبو ماضي

اتخذ الشاعر إيليا أبو ماضي من الطبيعة عنوانًا لقصيدته هذه، وقد تم تقسيمها إلى عدة مقاطع فيما يأتي شرحها وتوضيحها:


شرح المقطع الأول

يفتتح الشاعر قصيدته بأجواء من التشاؤم بهدف تحريك مشاعر المتلقي وأحاسيسه، من خلال تصوير الطبيعة بصورة قاتمة توحي باليأس والمأساة؛ إذ صور السحب بإنسان يركض خائفًا كأنها تخاف أن يُقبل عليها الليل، والشمس وقت الغروب تبدو صفراء شاحبة اللون تتسلل إلى ما وراء الأفق بإعياء، أما البحر فهو هادئ وراكد كأنه رجل زاهد خاشع، وبعد ذلك يُكمل الشاعر الحديث بنَفَس سلمى وما يدور في ذهنها من حيرة وقلق، ويسألها عن حالتها التي تظهر عليها، فيراها كأنها واقفة على مفترق الطرق بين الطفولة والشيخوخة، وقد طالها الإحساس بالتشاؤم.[٣]


ويُلاحظ هنا أنّ الشاعر بذلك يوازن بين مظاهر الطبيعة وحياة سلمى؛ فالشمس الساطعة والأفق الجلي يقابلان الطفولة والصبا، أما الشمس الشاحبة فتقابل الكهولة، فيصور سلمى خائفة من حلول الليل وعدم وجود النجوم، وضلّت الطريق ولا تعرف ما الذي عليها فعله، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣]

السُحُبُ تَركُضُ في الفَضاءِ رَكضَ الخائِفين

وَالشَمسُ تَبدو خَلفَها صَفراءَ عاصِبَةَ الجَبين

وَالبَحرُ ساجٍ صامِتٌ فيهِ خُشوعُ الزاهِدين

لَكِنَّما عَيناكِ باهِتَتانِ في الأُفقِ البَعيد

سَلمى بِماذا تُفَكِّرين

سَلمى بِماذا تحلُمين

أَرَأَيتِ أَحلامَ الطُفولَةِ تَختَفي خَلفَ التُخوم

أَم أَبصَرَت عَيناكِ أَشباحَ الكُهولَةِ في الغُيوم

أَم خِفتِ أَن يَأتي الدُجى الجاني وَلا تَأتي النُجوم

أَنا لا أَرى ما تَلمَحينَ مِنَ المَشاهِدِ إِنَّما

أَظلالُها في ناظِرَيكِ

تَنِمُّ يا سَلمى عَلَيكِ

إِنّي أَراكِ كَسائِحٍ فيم القَفرِ ضَلَّ عَنِ الطَريق

يَرجو صَديقاً في الفَلاةِ وَأَينَ في القَفرِ صَديق

يَهوى البُروقَ وَضَوأَها وَيَخافُ تَخدَعُهُ البُروق

بَل أَنتِ أَعظَمُ حيرَةً مِن فارِسٍ تَحتَ القَتام

لا يَستَطيعُ الاِنتِصار

وَلا يَطيقُ الاِنكِسار


شرح المقطع الثاني

يُكمل الشاعر في هذا المقطع في المقارنة بين ما كانت عليه سلمى في مطلع عمرها وما هي عليه الآن؛ فهي في وقت الضحى الذي يرمز إلى الشباب والحيوية والأمل غيرها في وقت المساء الذي يرمز إليه بالحيرة والاكتئاب؛ ففي مقتبل العمر كانت سلمى متألقة ومتوهجة وينعكس ذلك على وجنتيها، إلا أنها عندما واجهت المساء عرتها الهواجس وأحنت رأسها بين يديها تفكر، ويقصد الشاعر من هذا المشهد أنّ الإنسان يكون سعيدًا عندما يحيا حياته مقتصرًا فيها على الحاضر دون أن يمتثل شبح المستقبل أمامه.[٣]


بعد ذلك يُكمل الشاعر حواره مع سلمى ويطرح عليها تساؤلات خاصة يضع فيها خيارات وأسباب لذلك التفكير اليائس المحيط بها؛ فهل تفكر بذلك النور الذي يبدو كالسلطان ويجلس على العرش ولمّا جاء المساء قبض على عرشه ومحى بهاء الأرض البادي على هضباتها، أم بالعصافير والمروج الخضراء، أم بالمساء الذي حين يُقبل يغمر المدينة والقرية والكوخ والقصر فيساوي بين جميع الأشياء، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣]

هَذي الهَواجِسُ لَم تَكُن مَرسومَةً في مُقلَتَيكِ

فَلَقَد رَأَيتُكِ في الضُحى وَرَأَيتُهُ في وَجنَتَيكِ

لَكِن وَجَدتُكِ في المَساءِ وَضَعتِ رَأسَكِ في يَدَيكِ

وَجَلَستِ في عَينَيكِ أَلغازٌ وَفي النَفسِ اِكتِئاب

مِثلُ اِكتِئابِ العاشِقين

سَلمى بِماذا تُفَكِّرين

بِالأَرضِ كَيفَ هَوَت عُروشُ النورِ عَن هَضَباتِها

أَم بِالمُروجِ الخُضرِ سادَ الصَمتُ في جَنَباتِها

أَم بِالعَصافيرِ الَّتي تَعدو إِلى وَكَناتِها

أَم بِالمَسا؟

إِنَّ المَسا يَخفي المَدائِنَ كَالقُرى

وَالكوخُ كَالقَصرِ المَكين

وَالشَوكُ مِثلُ الياسَمين


شرح المقطع الثالث

يؤكد الشاعر لسلمى على أنّ الليل يساوي بين الجميع ولا يفرّق بين أحد، وهذا ينبغي أن يُشعرها بالهدوء والسلام، ويحاول أن يبدّد خوفها بإظهار فضائل الليل؛ فهو كالإنسان له أحلام عديدة وكالنهار له سماء تملؤها النجوم، وهو يُغشي ظاهر الأشياء لكنه لا يُزيل معالمها ولا يسلبها حقيقتها وجوهرها، فيُخفي السهول والأودية لكنه لا يمنع الزهر من أن يبثّ عطره، ولا يمنع الماء من الجريان، والشجر في حضرته ما زال يُرسل حفيفه الهادئ المؤنس، ويقصد الشاعر من ذلك أنّ الكهولة قد تُخفي سمات الجمال في وجه الإنسان لكنها لا تمسّ جوهره، فتبقى للإنسان إنسانيته وتبقى جذوة الخير فيه، وهنا تبرز النزعة التفاؤلية عند الشاعر، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣]

لا فَرقَ عِندَ اللَيلِ بَينَ النَهرِ وَالمُستَنقَعِ

يَخفي اِبتِساماتِ الطَروبِ كَأَدمُعِ المُتَوَجِّعِ

إِنَّ الجَمالَ يَغيبُ مِثلُ القُبحِ تَحتَ البُرقُعِ

لَكِن لِماذا تَجزَعينَ عَلى النَهارِ وَلِلدُجى

أَحلامُهُ وَرَغائِبُه

وَسَمائُهُ وَكَواكِبُه

إِن كانَ قَد سَتَرَ البلادَ سُهولَها وَوُعورَها

لَم يَسلُبِ الزَهرَ الأَريجُ وَلا المِياهُ خَريرُها

كَلّا وَلا مَنَعَ النَسائِمَ في الفَضاءِ مَسيرُها

ما زالَ في الوَرَقِ الحَفيفُ وَفي الصَبا أَنفاسُها

وَالعَندَليبُ صُداحوهُ

لا ظُفرُهُ وَجَناحُهُ


شرح المقطع الرابع

يطلب الشاعر من سلمى أن تُزيح عنها همومها وتنسى ما هي فيه وتذهب إلى الطبيعة وتستمتع بها، وتُنصت إلى جداول الماء التي ما زالت تتبع سيرها، وتتمتع بأريج الزهر وتستنشق عبيره، وتستأنس بالنجوم التي تلمع في الأفق، كما يطلب منها أن تنعم بنعيم الحب الذي لا تذبل أزهاره ولا تغيب نجومه، فلتحيا الحياة بدل أن تفكر فيها، ولتفرح بالصباح والنهار والمساء، وتقبل الوجود كما هو، وتظلّ روحها فتيّة ضاحكة، ولتعش حياتها بالأمل والأحلام قبل أن يأتي زمن الكهولة، مؤكدًا على أنّ التفكير بالحياة يزيد الإحساس بآلامها، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣]

فَأصغي إِلى صَوتِ الجَداوِلِ جارِياتٍ في السُفوح

وَاِستَنشِقي الأَزهارَ في الجَنّاتِ ما دامَت تَفوح

وَتَمَتَّعي بِالشُهبِ في الأَفلاكِ ما دامَت تَلوح

مِن قَبلُ أَن يَأتي زَمانٌ كَالضَبابِ أَوِ الدُخان

لا تُبصِرينَ بِهِ الغَدير

وَلا يَلَذُّ لَكِ الحَرير

لِتَكُن حَياتُكِ كُلُّها أَمَلاً جَميلاً طَيِّبا

ولتملأ الأَحلامُ نَفسَكِ في الكُهولَةِ وَالصِبا

مِثلُ الكَواكِبِ في السَماءِ وَكَالأَزاهِرِ في الرُبى

لِيَكُن بِأَمرِ الحُبِّ قَلبُكِ عالَماً في ذاتِهِ

أَزهارُهُ لا تَذبُلُ

وَنُجومُهُ لا تَأفُلُ

ماتَ النَهارُ اِبنُ الصَبحِ فَلا تَقولي كيفَ مات

إِنَ التَأَمُّلَ في الحَياةِ يَزيدُ أَوجاعَ الحَياة

فَدَعي الكَآبَةَ وَالأَسى وَاِستَرجِعي مَرَحَ الفَتاة

قَد كانَ وَجهُكِ في الضُحى مِثلَ الضُحى مُتَهَلِّلا

فيهِ البَشاشَةُ وَالبَهاءُ

لِيَكُن كَذَلِكَ في المَساء


السمات الفنية في قصيدة المساء لإيليا أبو ماضي

تتسم قصيدة المساء لإيليا أبو ماضي بعدد من الخصائص والسمات الفنية، منها ما يأتي:[٣]

  • الوحدة الموضوعية والترابط المنطقي بين مقاطع القصيدة.
  • كثرة الصور الفنية والتشبيهات.
  • الاعتماد على أسلوب سهل وممتع يصل إلى المتلقي ويؤثر فيه.
  • الدعوة إلى التأمل بمظاهر الطبيعة ومحاكاتها.

المراجع

  1. أمينة نباتي، إيليا أبو ماضي شعر التفاؤل دراسة نفسية، صفحة 15. بتصرّف.
  2. مختارية معزيز، النزعة التأملية في الشعر العربي الحديث، صفحة 186. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت ث ج ح خ مختارية معزيز، النزعة التأملية في الشعر العربي الحديث، صفحة 186-192. بتصرّف.