قصيدة الشهيد

تعود قصيدة الشهيد إلى الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود، الذي وُلِد في قرية "عنبتا" في طولكرم عام 1913م، كان والده عالمًا فقيهًا وشاعرًا أديبًا، فنشأ عبد الرحيم في بيئة ثقافية صقلت شخصيته؛ إذ برزت شاعريته ونما حسّه الوطني منذ سنّ مبكرة، وبعد أن أنهى تعليمه عمل معلمًا في كلية النجاح الوطنية، وكان يبثّ في طلابه روح الوطنية والمقاومة، ولما قامت الثورة عام 1936 كان عبد الرحيم محمود من ضمن الثوار والمناضلين، وذلك كان له الأثر في بروز النزعة الوطنية في شعره، ويُذكر أنّ الشاعر نال الشهادة في سبيل الله.[١]


مناسبة قصيدة الشهيد

تعدّ هذه القصيدة من أشهر قصائد الشاعر عبد الرحيم محمود، وقد نظمها بدافع حسّه الوطني ورغبته بنيل الشهادة في سبيل الله تعالى والوعد الذي قطعه على نفسه، إذ كتبها قبل وفاته بتسع سنوات، وكأنه يرثي نفسه فيها.[٢]


تحليل قصيدة الشهيد

طغت الشخصية المقاومة للشاعر عبد الرحيم محمود على هذه القصيدة، وقد تم تقسيمها إلى عدّة مقاطع فيما يأتي شرحها وتحليلها:


شرح المقطع الأول

يبدأ الشاعر قصيدته بوعد قطعه على نفسه بأنه سيحمل روحه على راحته ويُلقي بنفسه في مجاهل الموت ومعاركه، وقد صوّر الروح بالجسم أو الشيء الذي يُمكن أن يُحمَل، وهو بذلك يؤكد على أنّ الشهادة لا تأتي فجأة وإنما هي تتويج لرحلة كفاح، كما يؤكد على أنه لا يخاف من الموت بل يمضي إليه طواعية، فعِظَم المسؤولية التي يحملها استصغرت الموت أمامها، ويكمن السرّ في ذلك القرار الذي اتخذه في رغبته بعيش حياة كريمة، أو المقاومة والاستشهاد الذي يغيظ الأعداء ويقهرهم.[٣]


فيبثّ الشاعر رسالة فحواها رغبته الجامحة بتحقيق المُنى وحماية بلاده، ثم يوضح تفضيله لخيار الموت بأنّ العيش لا قيمة له إلا إذا كان بكرامة يرهبها الأعداء وتحفظ له عزة النفس، ليتقاطع مفهوم الحياة مع مفهوم الموت، وترتفع نبرة الثورة والمجابهة عند الشاعر بحرصه على أن تكون كلمته مسموعة ولها حضورها في العالم أجمع، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣]


سَــأَحــمِــلُ روحــي عَــلى راحَـتـي وَأَلقـي بِهـا فـي مَهـاوي الرَّدى فَــإِمّــا حَــيــاةٌ تَـسُـرُّ الصَـديـقَ وَإِمّــا مَــمــاتٌ يَــغــيـظُ العِـدى وَنَـفـسُ الشَـريـفِ لَهـا غـايَـتـانِ وُرودُ المَـنـايـا وَنَـيـلُ المُـنى وَما العَيشُ لا عِشتَ إِن لَم أَكُن مــخَـوفَ الجِـنـابِ حَـرامَ الحِـمـى إِذا قُـلتُ أَصـغـى لي العـالَمونَ وَدَوّى مَـــقـــالي بَـــيـــنَ الوَرى



شرح المقطع الثاني

يُقسم الشاعر هنا على أنّه على يقين من قدوم الموت، وهو يسير إليه بخطى حثيثة، وبذلك لا يأبه بمثيرات الخوف الطبيعية من الموت، بل تعدى ذلك بسعيه الحثيث نحو المجهول المخيف، فإعادة الحق المسلوب من بلاده دافعه للموت والشهادة، فكان سماع صليل السيوف يطربه، ومسيل دماء الأعداء يبعث الرضا في نفسه، وبعد ذلك يتخيل الشاعر صورة الشهيد التي رسمها لنفسه، وهي صورة محببة إليه وتعبّر عن طموحه؛ فهو يرى جسده يترنح من فوق الهضاب وتتلقّفه السّباع، فتصد روحه إلى السماء وتنهش السباع جسده، فتكتسي الأرض بدمائه حتى يصبح لونها أرجوانيًا كحلّة تزينها، وتحمل الريح عطره الطيب، كما تتناثر الدماء على جبينه لتزيّنه كالتاج وتزيده بهاءً وإشراقًا، وترتسم الابتسامة على شفتيه، وهي ابتسامة الظفر وتحقيق المراد والسخرية من هذه الحياة الدنيا الفانية، ثم يستسلم الشاعر للحلم الكبير الذي وهب نفسه لله وهو الشهادة والخلود في الجنة بإذن الله، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣]


لَعَـــمـــرُكَ إِنّــي أَرى مَــصــرَعــي وَلكِـــن أَغـــذُّ إِلَيـــهِ الخُـــطــى أَرى مَـصرعي دونَ حَـقّي السَليب وَدونَ بِــلادي هُــوَ المُــبــتَـغـى يَــلِذُّ لِأُذنــي سَــمــاعُ الصَـليـل يُهــيِّج نَــفـسـي مَـسـيـلُ الدِّمـا وَجِــســمٌ تَــجَــدَّلَ فَــوقَ الهِـضـابِ تُـــنـــاوشُهُ جـــارِحـــاتُ الفَــلا فَــمِـنـهُ نَـصـيـبٌ لِأُسـدِ السَـمـاءِ وَمِــنــهُ نَــصــيــبٌ لِأُسـدِ الشَـرى كَــســا دَمُهُ الأَرضَ بِـالأُرجُـوانِ وَأَثـقَـلَ بِـالعِـطـرِ ريـحَ الصَـبـا وَعَــفَّرَ مِــنــهُ بَهِــيَّ الجَــبــيــنِ وَلكِــن عَــفــاراً يَــزيـدُ البَهـا وَبــانَ عَـلى شَـفَـتَـيـهِ اِبـتِـسـام مَــعــانــيـهِ هُـزءٌ بِهـذي الدُنـا وَنـــام لِيَـــحــلمَ حُــلمَ الخُــلودِ وَيَهــنَــأَ فـيـهِ بِـأَحـلى الرُؤى



شرح المقطع الثالث

يقسم الشاعر على أنّ الصورة التي رسمها في الأبيات السابقة للموت هي ميتة الرجال الأشراف، فمن أراد الموت بعز وكرامة فليسلك طريق الشهادة، ثم يعود ويؤكد على أنه لا يهاب الأعداء ولا الموت، ولا يعرّض نفسه للذل والهوان، فسيرمي أعداءه بسهامه، ويواجههم بقلبه الصامد القوي كالحديد، فمقارعته شديدة عصيبة كالنار الشديدة التي تحرق من يقترب منها، وهو على عهده لحماية دياره بسيفه وسلاحه، فيُريد أن يعلم جميع قومه أنّه هو البطل، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣]


لَعُــمــرُكَ هــذا مَــمـاتُ الرِجـالِ وَمَــن رامَ مَـوتـاً شَـريـفـاً فَـذا فَـكَـيـفَ اِصـطِباري لِكَيدِ الحُقودِ وَكَـيـفَ اِحـتِـمـالي لِسـومِ الأَذى أَخَـوفـاً وَعِـنـدي تَهـونُ الحَـياةُ وَذُلّاً وَإِنّـــــــي لَرَبُّ الإِبــا بِـقَـلبـي سَـأَرمـي وُجـوهَ العُداة وَقَــلبــي حَــديــدٌ وَنــاري لَظى وَأَحـمـي حِـيـاضـي بِـحَـدِّ الحُـسامِ فَــيَـعـلَمُ قَـومـي بِـأَنّـي الفَـتـى



السمات الفنية في قصيدة الشهيد

تتسم قصيدة الشهيد بمجموعة من الخصائص والسمات الفنية، منها ما يأتي:[٤]

  • استخدام المحسنات البديعية وتوظيفها بطريقة تخدم الإيقاع السريع للقصيدة.
  • التناص في بعض المواضع مع القرآن الكريم، وبعض أشعار العرب، والأقوال المأثورة.
  • استخدام صور فنية بسيطة لا تعقيد فيها.
  • صدق العاطفة التي بثها الشاعر في قصيدته.
  • بساطة اللغة المستخدمة في القصيدة.


ولقراءة تحليل المزيد من القصائد التي تناولت موضوع الشهادة: قصيدة جمرة الشهداء.

المراجع

  1. مهند اشتي، التكرار في شعر عبد الرحيم محمود، صفحة 21. بتصرّف.
  2. علي عبد الظاهر، قصيدة الشهيد لعبد الرحيم محمود قراءة أسلوبية، صفحة 5. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت ث علي عبد الظاهر، قصيدة الشهيد لعبد الرحيم محمود قراءة أسلوبية، صفحة 18-28. بتصرّف.
  4. علي عبد الظاهر، قصيدة الشهيد لعبد الرحيم محمود قراءة أسلوبية، صفحة 45. بتصرّف.