قصيدة أضحى التنائي

تعدّ قصيدة أضحى التنائي إحدى القصائد التي نظمها الشاعر ابن زيدون، واسمه أحمد بن عبد الله بن زيدون المخزومي الأندلسي القرطبي، وُلِد سنة (394 هـ) ونشأ في رياض الأندلس الجميلة، وهو ينتمي إلى أسرة ذات حسب ونسب، ونَهَل منذ صغره من مختلف العلوم والآداب، مما ساهم في تنمية موهبة الشعر لديه، فاتصف شعره بالجزالة والرصانة، والرقة والعذوبة، ويُذكَر أنّه لُقّب ببحتري المغرب، وقد اشتهر ابن زيدون بقصة حبّه لولّادة بنت المستكفي، ونظم في حبها قصائد عدّة.[١][٢]


مناسبة قصيدة أضحى التنائي

نالت قصيدة أضحى التنائي شهرة كبيرة ودوّى صداها في أرجاء الأدب العربي، ويُذكر أنّ ابن زيدون في شبابه قد هَامَ بولّادة بنت المستكفي، وتوثقت علاقته بها مدة من الزمن، ثم ساءت العلاقة بينهما؛ فهجرته ولّادة ومالت عنه إلى الوزير ابن عبدوس، فنظم ابن زيدون هذه القصيدة يستعطفها فيها معبرًا عن مشاعره تجاهها وعن لهيب المعاناة التي تجرّعها إثر الفراق الذي حدث بينهما.[٣]


تحليل قصيدة أضحى التنائي

تمثّل هذه القصيدة نَفَسًا شعوريًا فاضت به نَفْسُ الشاعر، فحمّلها خواطره وأحزانه كما عاناها، وقد تمّ تقسيمها إلى عدة مقاطع فيما يأتي شرحها وتوضيحها:


شرح المقطع الأول

طرح الشاعر في بداية قصيدته الثنائيات الضدية، إذ جمع بين القُرب والبُعد، وبين طيب اللقيا والتجافي، وبذلك رسم صورة جليّة لما كان عليه حاله مع محبوبته في السابق من التصافي والتلاقي الروحي، وصورة لما أصبحا عليه من التباعد والتجافي، كما لمّح إلى ما كانا ينعمان به من سمعة وُدٍّ وسيرة حب تُحكى وتتناقل، لكن صار أمر تعاديهما وفراقهما واضحًا لا يخفى على أحد، ولعل الشاعر أراد بذلك أن يبثّ من البداية دلائل كبريائه وعزة نفسه بالرغم من حسرته، ثم تتلاحق المعاني الأليمة فيدعو الشاعر على نفسه بالهلاك صبيحة وقع الفراق بينه وبين محبوبته، والذي حصل بسبب الواشين والأعداء وغيظهم من العلاقة بينهما، وقد وقف الزمان أيضًا إلى جانبهم موقف الضاغط والمُعاند، فتحققت الغاية بالفراق، فصوّره الشاعر كالشخص الذي بإمكانه أن يُضحكه وبإمكانه أن يُبكيه، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٤]


أَضحى التَنائي بَديلاً مِن تَدانينا وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا أَلّا وَقَد حانَ صُبحُ البَينِ صَبَّحَنا حَينٌ فَقامَ بِنا لِلحَينِ ناعينا مَن مُبلِغُ المُلبِسينا بِاِنتِزاحِهِمُ حُزناً مَعَ الدَهرِ لا يَبلى وَيُبلينا أَنَّ الزَمانَ الَّذي مازالَ يُضحِكُنا أُنساً بِقُربِهِمُ قَد عادَ يُبكينا غيظَ العِدا مِن تَساقينا الهَوى فَدَعَوا بِأَن نَغَصَّ فَقالَ الدَهرُ آمينا فَاِنحَلَّ ما كانَ مَعقوداً بِأَنفُسِنا وَاِنبَتَّ ما كانَ مَوصولاً بِأَيدينا وَقَد نَكونُ وَما يُخشى تَفَرُّقُنا فَاليَومَ نَحنُ وَما يُرجى تَلاقينا



شرح المقطع الثاني

يأمل الشاعر في هذا المقطع من القصيدة بأن يعود الوئام والتلاقي بينه وبينه المحبوبة، ويُبرئ نفسه مما تظنّ فيه من تُهَم، ويُخبرها أنّه لم يُرد عتاب الأعداء والواشين بهم لكي لا يفرحوا بما حلّ بهما، فلم يُعطِ لما قالوه أهمية وقيمة بالرغم من جرحه وأحزانه، وقد أراد من ذلك التقليل من شأنهم، ثم ينتقل الشاعر إلى تأكيد وفائه لمحبوبته وعدم تنكره لها، وقد أصبح هذا الوفاء عقيدة يعتقدها ودينًا يتقلّده، بعد ذلك يُنكر عليها بلطف وترقق الإصغاء للأعداء وسماحها لهم بالشماتة.[٤]


ويرى الشاعر في اليأس تسلية عن تذكر المحبوبة، وطريقة لنسيان ذكراها والتخفيف من معاناة الحرمان منها، ليعود ويذكر ما حلّ به إثر فراقها والابتعاد عنها ويقارن حاله الآن بما كان عليه من قبل؛ إذ جفّت حياته بعد الفراق والتهبت جوانحه، وأيامه صارت سوداء مظلمة، فقد كانت المحبوبة عطر أيامه ونورها، ويقسم الشاعر في النهاية على صدقه ووفائه، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٤]


يا لَيتَ شِعري وَلَم نُعتِب أَعادِيَكُم هَل نالَ حَظّاً مِنَ العُتبى أَعادينا لَم نَعتَقِد بَعدَكُم إِلّا الوَفاءَ لَكُم رَأياً وَلَم نَتَقَلَّد غَيرَهُ دينا ما حَقَّنا أَن تُقِرّوا عَينَ ذي حَسَدٍ بِنا وَلا أَن تَسُرّوا كاشِحاً فينا كُنّا نَرى اليَأسَ تُسلينا عَوارِضُهُ وَقَد يَئِسنا فَما لِليَأسِ يُغرينا بِنتُم وَبِنّا فَما اِبتَلَّت جَوانِحُنا شَوقاً إِلَيكُم وَلا جَفَّت مَآقينا نَكادُ حينَ تُناجيكُم ضَمائِرُنا يَقضي عَلَينا الأَسى لَولا تَأَسّينا حالَت لِفَقدِكُمُ أَيّامُنا فَغَدَت سوداً وَكانَت بِكُم بيضاً لَيالينا إِذ جانِبُ العَيشِ طَلقٌ مِن تَأَلُّفِنا وَمَربَعُ اللَهوِ صافٍ مِن تَصافينا وَإِذ هَصَرنا فُنونَ الوَصلِ دانِيَةً قِطافُها فَجَنَينا مِنهُ ما شينا لِيُسقَ عَهدُكُمُ عَهدُ السُرورِ فَما كُنتُم لِأَرواحِنا إِلّا رَياحينا لا تَحسَبوا نَأيَكُم عَنّا يُغَيِّرُنا أَن طالَما غَيَّرَ النَأيُ المُحِبّينا وَاللَهِ ما طَلَبَت أَهواؤُنا بَدَلاً مِنكُم وَلا اِنصَرَفَت عَنكُم أَمانينا



شرح المقطع الثالث

يبدأ الشاعر في هذا المقطع بوصف المحبوبة كما رآها وأحبها، وقد استعان في ذلك بالطبيعة، فيخاطب غيمة المطر وكأنها إنسان ويطلب منها أن تسقي ديار الحبيبة وقصرها لطالما كانت هي كالغيمة تسقيه الحب والودّ في السابق، كما يطلب منها أن تسألها هل ما زالت تتذكره وتهواه، مبينًا معاناته من فراقها وتنكرها له، بعد ذلك يستميل الشاعر نسيم الصبا ويطلب منه أن يبلّغ تحياته للحبيبة البعيدة عنه، راجيًا من الدهر -الذي شبهه بالإنسان- أن يصافيه ويساعده ولا يكون ضدّه، ثم يعود ويُكمل صفات حبيبته؛ فهي ابنة عزّ وملك، ريحها طيبة كالمسك، متفردة بصفاتها ومحاسنها، وهي الفضة والذهب الناصع، وهي امرأة لينة أثر العزّ بادٍ على جسدها، عنقها تُثقله اللآلئ الضخمة والعقود النفيسة، ووجها كالصحن تبدو الشامات فيه كالواكب تحميها وتزينها، كما شبه الشاعر هذه المحبوبة بالروضة الغناء بالخير والجمال، وبزهرة الحياة التي تُحيي قلبه، وبعد كل هذه الصفات يأمل الشاعر أن يعود ويلتقي بها حتى ولو كان ذلك يوم القيامة، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٤]


يا سارِيَ البَرقِ غادِ القَصرَ وَاِسقِ بِهِ مَن كانَ صِرفَ الهَوى وَالوُدُّ يَسقينا وَاِسأَل هُنالِكَ هَل عَنّى تَذَكُّرُنا إِلفاً تَذَكُّرُهُ أَمسى يُعَنّينا وَيا نَسيمَ الصَبا بَلِّغ تَحِيَّتَنا مَن لَو عَلى البُعدِ حَيّا كانَ يُحَيّينا فَهَل أَرى الدَهرَ يَقضينا مُساعَفَةً مِنهُ وَإِن لَم يَكُن غِبّاً تَقاضينا رَبيبُ مُلكٍ كَأَنَّ اللَهَ أَنشَأَهُ مِسكاً وَقَدَّرَ إِنشاءَ الوَرى طينا أَو صاغَهُ وَرِقاً مَحضاً وَتَوَّجَهُ مِن ناصِعِ التِبرِ إِبداعاً وَتَحسينا إِذا تَأَوَّدَ آدَتهُ رَفاهِيَةً تومُ العُقودِ وَأَدمَتهُ البُرى لينا كانَت لَهُ الشَمسُ ظِئراً في أَكِلَّتِه بَل ما تَجَلّى لَها إِلّا أَحايينا كَأَنَّما أُثبِتَت في صَحنِ وَجنَتِهِ زُهرُ الكَواكِبِ تَعويذاً وَتَزيينا ما ضَرَّ أَن لَم نَكُن أَكفاءَهُ شَرَفاً وَفي المَوَدَّةِ كافٍ مِن تَكافينا يا رَوضَةً طالَما أَجنَت لَواحِظَنا وَرداً جَلاهُ الصِبا غَضّاً وَنَسرينا وَيا حَياةً تَمَلَّينا بِزَهرَتِها مُنىً ضُروباً وَلَذّاتٍ أَفانينا وَيا نَعيماً خَطَرنا مِن غَضارَتِهِ في وَشيِ نُعمى سَحَبنا ذَيلَهُ حينا لَسنا نُسَمّيكِ إِجلالاً وَتَكرِمَةً وَقَدرُكِ المُعتَلي عَن ذاكَ يُغنينا إِذا اِنفَرَدتِ وَما شورِكتِ في صِفَةٍ فَحَسبُنا الوَصفُ إيضاحاًّ وَتَبيينا يا جَنَّةَ الخُلدِ أُبدِلنا بِسِدرَتِها وَالكَوثَرِ العَذبِ زَقّوماً وَغِسلينا كَأَنَّنا لَم نَبِت وَالوَصلُ ثالِثُنا وَالسَعدُ قَد غَضَّ مِن أَجفانِ واشينا إِن كانَ قَد عَزَّ في الدُنيا اللِقاءُ بِكُم في مَوقِفِ الحَشرِ نَلقاكُم وَتَلقونا سِرّانِ في خاطِرِ الظَلماءِ يَكتُمُنا حَتّى يَكادَ لِسانُ الصُبحِ يُفشينا



شرح المقطع الرابع

يشرح الشاعر في هذا المقطع أسباب حزنه وشكواه من فراق الحبيبة ومحاولاته لأن يكون صابرًا لما حلّ به وكأنّ أحدًا يلقنّه إياه كتلقين سور القرآن، كما يُبدي براءته من أي تهمة يمكن أن تلحق به من تلك القطيعة، ثم يحاول استعطافها بلطف وبكاء علّها تعاود الوصال، مؤكدًا على أنّه باقٍ على العهد ولن يعدل عنه، فحبّها كالمنهل العذب الذي يرويه ويُشعره بالظمأ في الوقت ذاته، ويقول إنه مهما شرب من الخمر فلن يُنسيه إياها ولن يُلهيه عن حزنه، ولن يرسم على وجهه علامة ارتياح ورضا، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٤]


لا غَروَ في أَن ذَكَرنا الحُزنَ حينَ نَهَت عَنهُ النُهى وَتَرَكنا الصَبرَ ناسينا إِنّا قَرَأنا الأَسى يَومَ النَوى سُوَراً مَكتوبَةً وَأَخَذنا الصَبرَ تَلقينا أَمّا هَواكِ فَلَم نَعدِل بِمَنهَلِهِ شُرَباً وَإِن كانَ يُروينا فَيُظمينا لَم نَجفُ أُفقَ جَمالٍ أَنتِ كَوكَبُهُ سالينَ عَنهُ وَلَم نَهجُرهُ قالينا وَلا اِختِياراً تَجَنَّبناهُ عَن كَثَبٍ لَكِن عَدَتنا عَلى كُرهٍ عَوادينا نَأسى عَلَيكِ إِذا حُثَّت مُشَعشَعَةً فينا الشَمولُ وَغَنّانا مُغَنّينا لا أَكؤُسُ الراحِ تُبدي مِن شَمائِلِنا سِيَما اِرتِياحٍ وَلا الأَوتارُ تُلهينا



شرح المقطع الخامس

في النهاية يصارح الشاعر محبوبته مصارحة مباشرة، ويُفصح عمّا كان يُغلّفه من رجاء عودتها في الأبيات السابقة، ويلتمس منها الدوام على العهد الوثيق الذي قطعاه على نفسيهما، كما يؤكد وفاءه لها بتصوير بدر الدجى بامرأة تحاول التقرب منه وإيقاعه في شباك هواها، لكنه لم يُعطِها أي اهتمام وقيمة، فهو متعلق بمحبوبته فقط، ويعترف الشاعر أخيرًا ببكائه وفاء لذكراها وبغرض استمالة قلبها نحوه، ويختتم حديثه بإلقاء التحية والسلام والوئام المعلق على بقائهما في الدنيا، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٤]


دومي عَلى العَهدِ ما دُمنا مُحافِظَةً فَالحُرُّ مَن دانَ إِنصافاً كَما دينا فَما اِستَعَضنا خَليلاً مِنكِ يَحبِسُنا وَلا اِستَفَدنا حَبيباً عَنكِ يَثنينا وَلَو صَبا نَحوَنا مِن عُلوِ مَطلَعِهِ بَدرُ الدُجى لَم يَكُن حاشاكِ يُصبينا أَبكي وَفاءً وَإِن لَم تَبذُلي صِلَةً فَالطَيّفُ يُقنِعُنا وَالذِكرُ يَكفينا وَفي الجَوابِ مَتاعٌ إِن شَفَعتِ بِهِ بيضَ الأَيادي الَّتي ما زِلتِ تولينا عَلَيكِ مِنّا سَلامُ اللَهِ ما بَقِيَت صَبابَةٌ بِكِ نُخفيها فَتَخفينا



السمات الفنية في قصيدة أضحى التنائي

تتسم قصيدة أضحى التنائي بمجموعة من السمات الفنية، منها ما يأتي ذكره:[٥]

  • الوحدة الموضوعية في القصيدة.
  • غلبة الجمل الفعلية، فاستخدم الشاعر الأفعال التي تدل على الحدث الماضي والحاضر والمستقبل، مما أعطى القصيدة حركية وحيوية.
  • توظيف العديد من المحسنات البديعية في القصيدة.
  • جاءت لغة القصيدة ومعانيها رقيقة عذبة وسهلة.

المراجع

  1. ابتسام شبانة، البنية الايقاعية.pdf البنية الإيقاعية في شعر ابن زيدون وعلاقتها بالتجربة الوجدانية، صفحة 11. بتصرّف.
  2. أحمد محمد سعيد، ملامح الإبداع في الشعر الأندلسي قصيدة ابن زيدون أضحى التنائي نموذجًا، صفحة 7. بتصرّف.
  3. أحمد محمد سعيد، ملامح الإبداع في الشعر الأندلسي قصيدة ابن زيدون أضحى التنائي نموذجًا، صفحة 10. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث ج ح أحمد محمد سعيد، ملامح الإبداع في الشعر الأندلسي قصيدة ابن زيدون أضحى التنائي نموذجًا، صفحة 17-77. بتصرّف.
  5. آمال موسى، البلاغى ..... .pdf?sequence=1&isAllowed=y الفن البلاغي في نونية ابم زيدون، صفحة 11. بتصرّف.