قصيدة أحلام شاعر

تعودُ قصيدة "أحلام شاعر" إلى الشّاعر التونسيّ أبي القاسم بن محمد بن بلْقاسم الشابيّ، والّذي عرف بثقافته العربيّة الواسعة، والّتي جمعت بين التراث العربيّ في أزهى عصوره، وبين روائع الأدب الحديث بمصر، والعراق، وسوريا، والمهجر. كانَت وسيلة الشّابي الّتي تساهم في إيصال مبادئه إلى المُجتمع هي الشِّعر؛ إذ لم تكُن العمليّة الشّعريّة بالنّسبة له مُجرَّد عمليَّة فنِّيَّة مقصودة لذاتها، فكانَ يتغنّى بالحياة وجمالها من أجل ترغيب الآخرين بإصلاح ذواتهم، والتّأكيد على أهميّة الحريّة. وتعودُ شهرة أبي القاسم الشّابي إلى ديوانه بالدّرجة الأولى، ثُمَّ إلى كتابه الّذي يقع تحت عنوان "الخيال الشعري عند العرب"، إضافةً إلى القصص، والرّوايات، والمسرحيَّات، والمُذكّرات، وغيرها.[١]


مُناسبة قصيدة أحلام شاعر

تَأثّر الشّابّي بالتَّيار الرّومانسيّ؛ إذ مزج بين إحساسه، ومظاهر الطّبيعة المُحيطة به، فاتَّخذ من الغاب، والعُصفورِ، والزنبقة، والبلبل مُستودعًا لهمومه وأسراره؛ إذ لم يجد أفضل من الطَّبيعة ليلجأ إليها، ويعودُ ذلك لعدة أمورٍ منها: ولادةُ الشّاعر في منطقة جبليّة، وتنقّله المستمرّ من منطقةٍ لأخرى؛ إذ تغذّى حبه للطبيعة ومظاهرها، إضافةً لتنكره للحياة الاجتماعيّة، ومكر النّاس وخداعهم، فرأى أنّ الطّبيعة هي مكان السّكون، والاطمئنان النّفسيّ، وظهَر ذلك في قصيدة أحلام الشّاعر؛ إذ تمنّى الشّابي أن يعيش في أحضان الطّبيعة بعيدًا عن الناس فيقول:[٢]

ليتَ لي أن أعيش في هذه الدُّنـ ـيا سعيدًا بوحدتي وانفرادي

أصرِفُ العمرَ في الجِّبالِ وفي الغا باتِ بين الصّنوبر الميّاد

ليس لي من شواغل العيش ما يصـ رف نفسي عن استمتاع فؤادي

أرقب الموت والحياة وأصغي لحديث الآزالِ والآبادِ


تحليل وشرح قصيدة أحلام شاعر

يبدأ الشاعر قصيدته بهذه الأبيات، فيقول:[٣]

ليتَ لي أن أعيش في هذه الدُّنـ ـيا سعيدًا بوحدتي وانفرادي

أصرِفُ العمرَ في الجِّبالِ وفي الغا باتِ بين الصّنوبر الميّاد

ليس لي من شواغل العيش ما يصـ رف نفسي عن استمتاع فؤادي

في هذه الأبيات يشكو الشّاعر من آلامه، وإحساسه بالكآبة والغربة، ويتمنّى أن تتحقق الحرّيّة، وأن يعود الماضي بصفوه، فهو بات يتمنّى لو يعيش وحيدا بين الجبال والغابات، بعيدًا عن شعبه ومجتمعه المادّيّ، الذي يئس من إصلاحه.[٣]


ثم يقول: [٤]

أرقـب الموت والحياة وأصغي لحديث الآزال والآباد

وأغنّي مع البلابل في الغاب وأصغي إلى خريـر الوادي

وأناجي النجوم والـفجر والأطيار والنهـر والضياء الهادي

هنا أفرغ الشّاعر آماله وهمومه للطّبيعة، مصدر الحياة عنده، فهو شاعر عرف بحسن تأمّله، وشدّة إحساسه، فها هو يستمتع بالغناء مع البلابل في الغابات، وينصت إلى صوت خرير المياه، ويتّخذ من النجوم، والفجر، والطّيور، والنّهر، والضّياء أصدقاءً له يناجيهم، ويشكو لهم همه.


ثمّ يقول:[٤]

عـيـشةً للجمال والـفـن أبـغـيـهـا بـعــيــدًا عــن أمـتـي وبــــلادي

لا أعـنّـي نـفـسـي بـأحـزان شـعـبـي فـهـو حـيّ يعـيـش عـيـش الـجـمـاد!

وبحسبـي مـن الأســى مــا بنفـســي مـن طـريـفٍ مـسـتـحـدثٍ وتـــــلاد

يبدو الشّاعر في هذه الأبيات ساخطًا على شعبه، وأفراد مجتمعه وبلاده، كما أنّه يرى أنّ أمر إصلاحهم صعب لا فائدة منه، فهم لا يُظهرون رغبةً في هذا التّغيير. كما يشكو الشّاعر بسبب همومه القديمة والجديدة، فهو لا يريد لنفسه المزيد من الهموم، فيكفيه ما عنده.


ثمّ يقول: [٥]

وبـعـيـدًا عـن الـمـديـنـة والنـــاس بـعـيـدًا عـن لغـو تـلـك الــنــوادي

فـهـو مــن مـعـدن السخـافـة والإفــك ومـن ذلــك الـهـــراء الـــعـــادي

أيـن هـو مـن خـريـر ساقـيـة الــوادي وخـفـق الـصـدى وشــدو الـشادي

وحفـيـف الغـصـون نمـقـهـا الـطــل وهـمـس الـنـسـيــم لـــــــلأوراد

هـذه عـيـشـة تـقـدسـهـا نـفـســي وأدعـو لــمــجــدهــا وأنـــــادي

يرسم الشّاعر في هذه الأبيات لنفسه حُلمًا جميلًا، بعيدًا عن المجتمع والبشر، فالطّبيعة بأصواتها تشكّل الملجأ الآمن للشّاعر، فلغة أهل المدينة لغة باطل، أمَّا لغة الطّبيعة لغة ألحان عذبة، تجاوبت فيها أصوات الخرير، والشّدو، وخفق الصّدى، وحفيف الأغصان، وهمس النّسيم.[٥]


الصّور الفنيّة في قصيدة أحلام شاعر

لا تَخلو قصائد أبي القاسم الشّابي من الصّور الفنيّة، فظَهرت واضحةً وبِكثرةٍ فيها، ومِن هذه الصّور الفنيّة الّتي وردت في قصيدته "أحلام شاعر":

في قوله:[٦]

أين هو من خرير ساقية الوادي وخفق الصدى وشدو الشادي

وحفيفِ الغصون، نَّمقها الطلّ وهمس النّسيم للأوراد

جاءت الصّورة الفنيّة في هذين البيتين لِتعبّر عمّا في وجدان الشّاعر، فصوّر الصّدى بالقلبِ الّذي يخفق، وصوّر النَّسيم بالشَّخص الّذي يهمِسُ بالسِّرِ، كما صوّر الطّل بزينة تجمِّلُ النّباتات والغُصون.


وفي قوله:[٤]

أرقـب الموت والحياة وأصغي لحديث الآزال والآباد

في هذا البيت شبّه الشاعر الآزال والآباد بأناسٍ يتحدّثون ويستمع الشّاعر إليهم.


وفي قوله:[٤]

وأناجي النجوم والفجر والأطيار والنهر والضياء الهادي

أما في هذا البيت فقد ظهرَ أسلوب التّشخيص واضحًا، حيث أضفى الشّابيّ صفاتًا حيّة على غير العاقل، فصوّر النّجوم، والفجر، والأطيار، والنهر، والضّياء بأناسٍ يحدّثهم الشّاعر، ويبثّ همومه لهم.


وفي قوله: [٦]

هذه عيشة تقدّسها نفسي وأدعو لمجدها وأنادي

في هذا البيت شبّه الشّاعر عيشته في الغاب مع الطّبيعة بالأمر المقدّس.


الخصائص الأسلوبيّة في قصيدة أحلام شاعر

إنّ المتأمّل في قصيدة (أحلام شاعر) للشّاعر أبي القاسم الشّابيّ، يلاحظ تمّيزها بخصائص أسلوبيّة، ومنها:[٧]

  • أولا: استخدام ألفاظ هادئة تعبّر عن حلم الشّاعر الّذي يتحقّق في ظلال الطّبيعة بعيدًا عن النّاس وهمومهم.
  • ثانيًا: إيحائيّة اللغة، بالممازجة بين الألفاظ التي تدل على حركةٍ، وصوتٍ، ولونٍ، لتقريب الصّورة، وإيصال الإحساس الصادق للمتلقي
  • ثالثا: صدق العاطفة والإحساس في التعبير عما يختلج في قلب الشاعر من آلام وأحزان يبثّها للطبيعة
  • رابعا: استخدام أسلوب التّجسيد والتّشخيص، بإضفاء الصّفات الحية على الجمادات والمعنويّات
  • خامسًا: استخدام المحسنات اللفظية، كالطباق، والترادف.
  • سادسا: كثرة الصّور الفنّيّة.

المراجع

  1. أحمد بسج، ديوان أبي القاسم الشّابي، صفحة 5-8. بتصرّف.
  2. عبدالحميد أحمدي، مظاهر رومانسية في شعر أبي القاسم الشّابي، صفحة 7-15. بتصرّف.
  3. ^ أ ب عيهار زهرة، سعيدة خيرة، الصورة الشعرية في قصيدة حديث المقبرة لأبي القاسم الشابي، صفحة 15. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث أحمد بسج، ديوان أبي القاسم الشّابي، صفحة 67.
  5. ^ أ ب عدنان علي نزهة، الصورة الفنية في شعر أبي القاسم الشابي، صفحة 120. بتصرّف.
  6. ^ أ ب أحمد بسج، ديوان أبي القاسم الشابي، صفحة 68. بتصرّف.
  7. عدنان علي نزهة ، الصورة الفنية في شعر أبي القاسم الشّابي، صفحة 12-120. بتصرّف.