تعتبر قصيدة نكبة الأندلس لأبي البقاء الرّندي من أجمل القصائد التي قيلت في رثاء المدن، ولقد بقيت هذه القصيدة مرثيةً خالدةً في الشّعر العربيّ؛ فلم يعهدِ النّاس مرثيةً بلغت ما بلغته، فضلًا عن بديع السّبك، وحسن النّظم فيها [١]، وشاعرها شاعر أندلسي مرموق، وخاتمة أدباء الأندلس، ولد سنة 601 هجري، وتُوفي سنة 648 هجري، وهو صالح بن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم بن علي بن شريف النّغزي، من أهل رندة في الأندلس، يُكنى (أبا الطّيب)، برع في النّظم، وله من الشّعر الكثير، وتنوعت موضوعاته الشّعريّة بين الفخر، والمدح، والغزل، والرّثاء، كما له تواليف أدبيّة، وقصائد زهديّة.[٢]


مناسبة القصيدة وغرضها

يُعتبر الرّثاء غرضًا شعريًا من أغراض الشّعر المعروفة، ويدعو فيه الشّعراء إلى التّحسر على المرثي سواء أكان شخصًا أم مكانًا، وقد أخذ الشّعراء الأندلسيون على منوال من سبقوهم من المشارقة أغراضًا شعريّةًَ كثيرة كان من بينها الرّثاء، وهو غرض من أغراض الشعر القديم يعبر الشاعر فيه من خلال شعره عن حزنه وبكائه على المرثي، وتعتبر قصيدة نكبة الأندلس من أشهر قصائد رثاء المدن؛ إذ يُعد هذا اللون من الرِّثاء قديمًا ومعروفًا في الشعر العربي القديم، وقد عُرِف منذ العصر الجاهلي لدى بعض الشعراء[٣] وقد صوّر الشّاعر أبو البقاء الرّندي من خلال قصيدته هذه نكبة الأندلس، وزوال الحكم الإسلامي بعد حكمٍ دام حوالي ثمانمئة عامٍ، فإذا تأمّلت القصيدة تجد أنها تعكس صورةً للمرحلة التّاريخية المأسوية لغروب دولة الإسلام في الأندلس، وسقوط مدنها واحدةً تلو الأخرى في يد الصليبيين والإسبان.[٤]


منهج الشاعر في القصيدة

تتخذ قصيدة الرثاء عند أبي البقاء الرّندي منهجًا متقاربًا فهو يضمنها في العادة أربعة أمورٍ: أولها معانٍ حكيمة عامة في الدنيا، والحياة، والموت، والفناء، والخلود، وأنّ كل شيء هالك إلا الله سبحانه وتعالى، والثاني: ذكر مآثر المتوفي وصور من حياته، والثّالث: التّوجع، والتفجع، وأثر المصاب في نفس الشاعر، والرّابع: التّصبّر والتعزي، وما يلحق بذلك.[٥]


بناء القصيدة

اعتمد أبو البقاء الرّندي في بناء قصيدته على الموروث القديم، وهو النسيج العمودي، وتمثل الموسيقى الشعرية عنصرًا مهمًّا من عناصر تشكيل البيت الشعري؛ إذ تسهم مع الأفكار، والألفاظ، والصور في الارتقاء بأسلوب التّعبير الشعري إلى مرتبةٍ عاليةٍ، كما يلعب الوزن دورًا فعّالًا في التّأثير بهذه الموسيقى، وبالكلمات التي تثير الانتباه للقارئ فأحسن في اختيار البحر السريع، فضلًا عن القافية ذات الإيقاع الجميل الحسن، والصوت الشجي الذي يدلُ على شجن الشّاعر، وتحسره على وطنه.[٦]


التّحليل الفنّي والأدبيّ للقصيدة

برعَ أبو البقاء الرندي في مرثيته فكان متفننًا في نظم قصيدته، وأصاب مقصده في رثاء الأندلس، فقد افتتح قصيدته بشيءٍ من الحكمة والموعظة، وبراعة الاستهلال، وجودة السّبك الذي أتى بكلّ ما ازدحمت به نفسه من تقلّبات الزّمن وفناء الأمم، ليوظّف ذلك كله من أجل رثاء الأندلس، الّذي وجده يتقلّب في النّعيم يومًا، ثمّ وجده يهوي في مهبِّ الرّيح أيامًا أخرى بعد أن عصفت به الفتن، وأكلت الأخضر واليابس منه[٧]، فكانت العبرة في الحياة أنّ لا كمال للأشياء؛ لأن مصيرها الفناء، وكذلك هي المدن والممالك مصيرها الزّوال أيضا، وهذا يتضح بقوله:[٨][٩]


لكلّ شيء إذا ما تمّ نقصان فلا يغرّ بطيب العيش إنسان هي الأمور كما شاهدتها دول من سرّه زمن ساءته أزمان



وقال أيضًا:[٩]


وهذه الدار لا تبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شان



أين الملوك ذوو التيجان من يمن وأين منهم أكاليل وتيجان وأين ما حازه قارون من ذهبٍ وأين عادٍ وشدّاد وقحطان أتى على القوم أمر لا مرد له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا



ثمّ ذهب إلى ذكر المدن التي سقطت واحدةً تلو الأخرى فكان منها غرناطة، وقرطبة دار العلوم، وطليطلة، والحمراء، وغيرها من المدن الأندلسية التي سقطت بأيدي الصّليبين والإسبان، حيث كان يندب هذا الخطب الجلل بوصفه داهيةً، ونكبةً دهت، وأصابت الأمّة أجمع؛ محاولًا شحذ الهمم لاستعادته، وداعيًا المسلمين للجهاد، وإنقاذ البلاد، واستعادة الأندلس السّليب، ولسان حاله يقول (أسمعت لو ناديت حيًّا)، وهذا يتضح بقوله.[١٠][١١]


وللحوادث سلوان يسهلها وما لما حل بالإسلام سلوان دهى الجزيرة أمر لا عزاء له هوى له أحد وانهد ثهلان أصابها العين في الإسلام فامتحنت حتى خلت منه أقطار وبلدان فاسأل بلنسية ما شأن مرسية وأين شاطبة أم أين جيان وأين قرطبة دار العلوم، فكم من عالم قد سما فيها له شان وأين حمص وما تحويه من نزه ونهرها العذب فياض وملآن قواعد كن أركان البلاد فما عسى البقاء إذا لم تبق أركان تبكي الحنيفية البيضاء من أسف كما بكى لفراق الإلف هيمان على ديار من الإسلام خالية قد أقفرت ولها بالكفر عمران حيث المساجد قد صارت كنائس ما فيهن إلا نواقيس وصلبان حتى المحاريب تبكي وهي جامدة حتى المنابر ترثي وهي عيدان



فما نزلَ بهذه الأرض من خطوب وما دهاها أمرٌ جلل، وكارثة تهوى لها الجبال في كلِّ ركنٍ من أركان الدولة الإسلامية، فتلك مدن كبرى ضاعت برمتها، وسقطت أركان البلاد الأندلسيّة وباتت لقمةً سائغةً بأيدي الطغاة؛ فغدت المساجد كنائسَ تكتظ بالصلبان والنّواقيس، وأصبح شاعرنا يستصرخ مستنفرًا ويشحذُ همّة العربِ وينادي فرسانهم بأنْ يسارعوا لنجدة الأندلس ويستيقظوا من سباتهم لهذا الوقع الجلل [١٢]، وهذا يتضح بقوله:[١٣]


يا غافلاً ولهُ في الدهرِ موعظةٌ إنْ كنتَ في سِنَةٍ فالدهرُ يقظانُ وماشيًا مرحًا يُلهيهِ موطنُهُ أبَعْدَ حمصٍ تَغرُّ المرءَ أوطانُ تلك المصيبةُ أنْسَتْ ما تقدَّمها وما لها معَ طولِ الدهرِ نِسيانُ يا أيها الملكُ البيضاءُ رايتُهُ أدركْ بسيفِكَ أهلَ الكُفرِ لا كانوا يا راكبينَ عِتاقَ الخيلِ ضامرةً كأنها في مجالِ السَّبقِ عُقبانُ وحاملينَ سيوفَ الهندِ مُرهفةُ كأنها في ظلامِ النَّقع نِيرانُ وراتعينَ وراءَ البحرِ في دَعةٍ لهمْ بأوطانهمْ عِزٌّ وسُلطانُ أعندكم نبأٌ منْ أهلِ أندلسٍ فقدْ سرى بحديثِ القومِ ركُبانُ



فشاعرنا يلتاع بلوعةٍ محرقة لحال العرب فالمصاب الجلل يجمعهم فما بال هذا التّقاطع والتّنابذ وهم إخوان في الدّين قبل الدّم، ويحاولُ من خلال شعره شحذ الهمم لاستعادة البلاد، فهم الأعزة بين أقوامهم ولكنّ استذلّهم الطّغيان فأصبحوا عبيدًا، ويستصرخ لحال الأمة التي تفرّق فيها الابن عن أمّه عنوةً، وسُبيت حرائر نسائه وأطفاله غصبًا، فلمثل هذه الحال يذوب القلب حزنًا وألمًا، ويجسده قوله:[١٤]


كمْ يستغيثُ بنا المستضعفونَ وهُمْ قتلى وأسرى فما يهتزُّ إنسانُ ما ذا التقاطعُ في الإسلامِ بينكمُ وأنتمُ يا عبادَ الله إخوانُ ألا نفوسٌ أبيَّاتٌ لها هممٌ أما على الخيرِ أنصارٌ وأعوانُ يا مَنْ لذلةِ قومٍ بعدَ عزَّتِهِم أحالَ حالهُمُ كفرٌ وطُغيانُ بالأمسِ كانوا ملوكًا في منازِلِهِم واليومَ همْ في بلادِ الكفرِ عُبدانُ فلو تراهمْ حيارى لا دليلَ لهمْ عليهِمُ منْ ثيابِ الذلِّ ألوانُ ولو رأيتَ بكاهُم عندَ بيعِهِمُ لهالَكَ الأمرُ واستهوتْكَ أحزانُ يا رُبَّ أمٍّ وطفلٍ حِيلََ بينهمَا كما تُفرَّقُ أرواحٌ وأبدانُ وطفلةٍ مثلَ حسنِ الشمسِ إذْ طلعتْ كأنما هي ياقوتٌ ومَرجانُ يقودُها العلجُ للمكروهِ مُكرهةً والعينُ باكيةُ والقلبُ حَيرانُ لمِثلِ هذا يذوبُ القلبُ من كمدٍ إنْ كانَ في القلبِ إسلامٌ وإيمانُ



أسلوب الشّاعر في القصيدة

نرى أنّ القصيدة ذات أسلوبٍ واضحٍ، ومعنىً جليّ للقارئ، وهي لغة سهلة المأخذ، عذبة اللّفظ، ورائقة المعنى، مأنوسة، وبعيدةً كل البعد عن أي غريب[١٥]، فالّلغة كنز الشّاعر، ومصدر شاعريته، ووحيه، وأبو البقاء في معجمه اللّغوي الشّعري يختار الألفاظ السّهلة ذات الدّلالة المفهومة، فقد استخدم ألفاظًا شاعت في شعره ومنها ألفاظ الحزن، وهذه الألفاظ التي استخدمها الشاعر للتعبير عن شاعريته من خلال شعره، فإذا أمعنت نظركَ في أبيّات القصيدة تجد أنّ النصّ يحمل في طياته، وتفاصيله، ومعانيه عاطفة الحسرة، والحزن، والتأسّي للحالة التي آلت إليها أمّة المسلمين في ذلك العصر، فعكست لنا عاطفة الشّاعر، وشجنه بانكسار نحو الأندلس. وقد وصف عظيم المصيبة الّتي حلّت بالأندلس فبكاها بصدقٍ ووفاء، وكان موفقًا في انتقاء اللّفظ القريب للقارئ لأداء المعنى العميق، وحققه بتناغم اللفظ والمعنى لتصوير حالة فناء المدن، كما برع شاعرنا في استخدام مختلف الأساليب الفنيّة والبلاغيّة لبلوغ غايته وغرضه في الرّثاء؛ فكان منها التّصريع في مطلع القصيدة، والذي أضفى رونقًا وجمالًا للموعظة التي أراد أن يوصلها للقارئ، إضافةً إلى استخدام الأساليب الإنشائية لأداء الغرض، كما عمد على تطويع الأساليب البلاغية من محسناتٍ لفظية، وجماليّات بديعية؛ كالطّباق، والمقابلة، والتّضاد، والتّرادف، والجناس، فعكست لنا صورة لبديع نسج الشّاعر، وموهبته الفذّة، وجمال وصفه لسقوط المدن، وزوال النعم.[١٦]


الصّورة الشعريّة في القصيدة

استخدم شاعرنا الكثير من الأساليب البلاغية في شعره منها التّشبيه والاستعارة، فقد جاء التّشبيه من بعد عرض الصّور الواقعيّة، وكان منه تصويره لفراق الأم وطفلها كصورة فراق الروح للجسد، وكذلك التشبيه في صورة الطّفلة كأنها شمس، وياقوت، ومرجان: [١٧]


يا رُبَّ أمٍّ وطفلٍ حِيلََ بينهمَا كما تُفرَّقُ أرواحٌ وأبدانُ وطفلةٍ مثلَ حسنِ الشمسِ إذْ طلعتْ كأنما هي ياقوتٌ ومَرجانُ



لجأ شاعرنا إلى المحسنات البيانية كالاستعارات، وتقنية التّشخيص، وقد تبدّى ذلك في وصف الدّهر، وفي وصف المدن، والتّشخيص هنا يخدم مقاصد الشّاعر؛ منه تشخيصه للدّهر لمّا وصفه يشهر سيفًا مقاتلًا الناسَ بحيث أراد أنْ يعمِّق إحساسَ القارئ بالرَّهبة من الدّهر، وأخرى حين قام بتشخيصه كإنسان يقظ:[١٨]


وينتضي كلّ سيف للفناء ولوْ كان ابنَ ذي يزَن والغمدَ غُمدان يا غافلاً ولهُ في الدهرِ موعظةٌ إنْ كنتَ في سِنَةٍ فالدهرُ يقظانُ



وجاء التشخيص في وصف المدن، ومحاريبها، ومنابرها حين صوّرها كأشخاصٍ يندبون وينوحون عليها:[١٨]


حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ حتى المنابرُ ترثي وهي عيدانُ


بالنهاية نجد بديع الشّاعر في وصف عِظَم المصيبة الّتي حلّت بالأندلس، وبكائه عليها بصدقٍ، ونجد أنّه رثى المدن الأندلسيّة بلونٍ جديد فقام بتشخيصها بكثرة استعاراته، وكناياته التي أبدع فيها أيّما إبداع.[١٩]

المراجع

  1. زياد طارق لفته، أبو البقاء الرندي حياته وشعره، صفحة 340. بتصرّف.
  2. زياد طارق لفتة، أبو البقاء الرندي حياته وشعره، صفحة 331-332. بتصرّف.
  3. شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي عصر الدول والإمارات الأندلس، صفحة 338. بتصرّف.
  4. زياد طارق لفتة، أبو ابقاء الرندي حياته وشعره، صفحة 339-340. بتصرّف.
  5. زياد طارق لفتة، أبو البقاء الرندي حياته وشعره، صفحة 339-340. بتصرّف.
  6. زياد طارق لفتة، أبو البقاء الرندي، صفحة 346. بتصرّف.
  7. زياد طارق لفتة، أبو البقاء الرندي حياته وشعره، صفحة 341. بتصرّف.
  8. زياد طارق لفتة، أبو البقاء الرندي حياته وشعره، صفحة 341.
  9. ^ أ ب جمعه الشيخ عيسى بن محمد الشامي، رثاء الأندلس لأبي البقاء الرندي، صفحة 34.
  10. تجمع الشيخ عيسى بن محمد الشامي، رثاء الأندلس لأبي البقاء الرندي، صفحة 29. بتصرّف.
  11. تجميع الشيخ عيسى بن محمد الشامي، رثاء الأندلس لأبي البقاء الرندي، صفحة 31-30-37-40.
  12. شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي عصر الدول والإمارات الأندلس، صفحة 390. بتصرّف.
  13. جمعه الشيخ عيسى بن محمد الشامي، رثاء الأندلس لأبي البقاء الرندي، صفحة 40-41. بتصرّف.
  14. شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي عصر الدول والإمارات الأندلس، صفحة 390-391. بتصرّف.
  15. تجميع الشيخ عيسى بن محمد الشامي، رثاء الأندلس لأبي البقاء الرندي، صفحة 29. بتصرّف.
  16. زياد طارق لفته، أبو البقاء الرندي حياته وشعره، صفحة 342-346-351. بتصرّف.
  17. طارق زياد لفتة، أبو البقاء الرّندي حياته وشعره، صفحة 344-345. بتصرّف.
  18. ^ أ ب زياد طارق لفتة، أبو البقاء الرندي حياته وشعره، صفحة 346. بتصرّف.
  19. زياد طارق لفتة، أبو البقاء الرندي حياته وشعره، صفحة 351. بتصرّف.