قصيدة كُن بلسمًا

تَعودُ قصيدة كُن بلسمًا، والّتي تتألّف من اثنين وثلاثين بيتًا، وتُعنى بشكلٍ أساسيّ بالحكمةِ والتّفاؤل إلى إيليا أبو ماضي، وهو شاعِر وأديب، كَما أنّه يُعدُّ واحِدًا من أكبر شُعراء مدرسة المهجر، وتحديدًا من شعراء الرّابطة القلميّة في المهجر الشّماليّ، كانَ يُعرَفُ شعره بأنَّهُ في قمة النُضجِ، كَما أنَّهُ كانَ مُستقلًّا بشخصيته الشّعريّة الّتي تميّزت بالقوّة العارِمة؛ إذ كانَ شعرهُ عنوانًا للشّعر المهجريّ الجديد، فوضع فيه روحه، وأفكاره، وخيالاته، وصياغته، فكانَ شاعر الرّابطة الأكبر، بالإضافة إلى أعضاء الرّابطة الذين تأثروا ببعضهم من حيث الأفكار، والمبادئ؛ كجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وغيرهم من الشّعراء.[١]


مُناسبة قصيدة كُن بلسمًا

يدعو الشّاعر إيليا أبو ماضي في قصيدته إلى التّفاؤل، والإيجابيّة، ومُقابلة السيّئة بالحسنة، كَما أنَّهُ يلفت النَّظر إلى صور العطاء الموجودة في الحياة، كَما أنَّهُ يؤكّد على أنَّ السّعادة شعورٌ ذاتيّ، فالإنسان يستطيع أن يكونَ سعيدًا حينما يُقرّر ذلك بالرّغم من كلّ الظروف.[٢]


شرح قصيدة كُن بلسمًا

يقولُ إيليا أبو ماضي في مقدمة قصيدته:[٣]


كُن بَلسَماً إِن صارَ دَهرُكَ أَرقَما وَحَلاوَةً إِن صارَ غَيرُكَ عَلقَما إِنَّ الحَياةَ حَبَتكَ كُلَّ كُنوزِها لا تَبخَلَنَّ عَلى الحَياةِ بِبَعضِ ما


يدعو الشّاعر كلّ إنسان أن يكون كالبلسم الشّافي في أصعب الظّروف، وأن يبدي حلو التّعامل حتّى لو أبدى الجميع سوءًا، فالحياة منحتنا كلّ كنوزها، فعلينا ألا نبخل في حبّنا وحسننا على الحياة.


ثمّ يقول:[٣]

أَحسِن وَإِن لَم تُجزَ حَتّى بِالثَنا أَيَّ الجَزاءِ الغَيثُ يَبغي إِن هَمى؟

مَن ذا يُكافِئُ زَهرَةً فَوّاحَةً أَو مَن يُثيبُ البُلبُلَ المُتَرَنِّما؟

عُدَّ الكِرامَ المُحسِنينَ وَقِسهُمُ بِهِما تَجِد هَذَينِ مِنهُم أَكرَم

هنا يحثّنا الشّاعر إلى الإحسان مع الآخرين، وعدم انتظار المقابل والجزاء، ويشيد بأخلاق الكرام، وحسن معشرهم.


ثمّ يقول:[٤]

يا صاحِ خُذ عِلمَ المَحَبَّةِ عَنهُما إِنّي وَجَدتُ الحُبَّ عَلَماً قَيِّما

لَو لَم تَفُح هَذي وَهَذا ما شَدا عاشَت مُذَمَّمَةً وَعاشَ مُذَمَّما

فَاِعمَل لِإِسعادِ السِوى وَهَنائِهِم إِن شِئتَ تُسعَدَ في الحَياةِ وَتَنعُما

أَيقِظ شُعورَكَ بِالمَحَبَّةِ إِن غَفا لَولا الشُعورُ الناسُ كانوا كَالدُمى

أَحبِب فَيَغدو الكوخُ كَوناً نَيِّراً وَاِبغُض فَيُمسي الكَونُ سِجناً مُظلِما

ما الكَأسُ لَولا الخَمرُ غَيرُ زُجاجَةٍ وَالمَرءُ لَولا الحُبُّ إِلّا أَعظُما

فهنا يقول الشّاعر: اجعل الحبّ منهجًا في حياتك، فالحبّ كالعلم القيّم، وسبيل الحياة السّعيدة المحبّة الّتي تنير كلّ شيءٍ، على عكس الكره الّذي يشعر صاحبه وكأنه يعيش مسجونًا في مكانٍ مظلمٍ، ويرى أنّ الحبّ هو المكمّل الحقيقيّ لكلّ إنسان، ومن غير الحبّ فالإنسان كالعظام.


ثم يقول:[٥]

كَرِهَ الدُجى فَاِسوَدَّ إِلّا شُبهُهُ بَقِيَت لِتَضحَكَ مِنهُ كَيفَ تَجَهَّما

لَو تَعشَقُ البَيداءُ أَصبَحَ رَملُها زَهراً وَصارَ سَرابُها الخَدّاعُ ما

لَو لَم يَكُن في الأَرضِ إِلّا مِبغِضٌ لَتَبَرَّمَت بِوُجودِهِ وَتَبَرَّما

لاحَ الجَمالُ لِذي نُهىً فَأَحَبَّهُ وَرَآهُ ذو جَهلٍ فَظَنَّ وَرَجَّما

يبيّن هنا الشّاعر تأثير الحبّ الكبير على الموجودات، وعلى كلّ شيءٍ حولنا، ومن دونه لكرهتنا الأرض، وكرهنا الوجود عليها، كما يرى أنّ أصحاب العقول النيرة يرون في الحبّ جمالًا، على عكس الجاهلين.


ويقول:[٥]

لا تَطلِبَنَّ مَحَبَّةً مِن جاهِلٍ المَرءُ لَيسَ يُحَبُّ حَتّى يُفهَما

وَاِرفُق بِأَبناءِ الغَباءِ كَأَنَّهُم مَرضى فَإِنَّ الجَهلَ شَيءٌ كَالعَمى

وَاِلهُ بِوَردِ الرَوضِ عَن أَشواكِهِ وَاِنسَ العَقارِبَ إِن رَأَيتَ الأَنجُما

يدعو الشّاعر إلى التفاؤل، ونبذ كلّ جاهلٍ كاره، وإلى عدم توقّع المحبّة من فاقدها، ففاقد الشّيء لا يعطيه، ويصف الكارهين بالمرضى، والجاهلين، والضّريرين، كما يقدّم لنا نصيحةً أن نتخذ التفاؤل في حياتنا، وأن نبتعد عن الكارهين المتشائمين الّذين وصفهم كالشوك.


ويقول:[٥]

يا مَن أَتانا بِالسَلامِ مُبَشِّراً هَشَّ الحِمى لَمّا دَخَلتَ إِلى الحِمى

وَصَفوكَ بِالتَقوى وَقالوا جَهبَذٌ عَلامَةٌ وَلَقَد وَجَدتُكَ مِثلَما

لَفظٌ أَرَقُّ مِنَ النَسيمِ إِذا سَرى سَحَراً وَحُلوٌ كَالكَرى إِن هَوَّما

وَإِذا نَطَقتَ فَفي الجَوارِحِ نَشوَةٌ هِيَ نَشوَةُ الروحِ اِرتَوَت بَعدَ الظَما

وَإِذا كَتَبتَ فَفي الطُروسِ حَدائِقٌ وَشّى حَواشيها اليَراعُ وَنَمنَما

وَإِذا وَقَفتَ عَلى المَنابِرِ أَوشَكَت أَخشابُها لِلزَهوِ أَن تَتَكَلَّما

هنا يُشيد الشّاعر بمن يصنعون السّعادة، ويمدح المبشّرين المبادرين بالسّلام، المتّقين أصحاب القلوب الصّافية النقية، فألفاظهم أرقّ من النسيم، وهم سبب نشوة الرّوح وفرحتها، ويحلّ الجمال في كلّ مكانٍ يحلّون به.


ثمّ يقول: [٦]

إِن كُنتَ قَد أَخطاكَ سِربالُ الغِنى عاشَ اِبنُ مَريَمَ لَيسَ يَملُكُ دِرهَما

وَأَحَبَّ حَتّى مَن أَحَبَّ هَلاكَهُ وَأَعانَ حَتّى مَن أَساءَ وَأَجرَما

يقول السّعادة لا تتحقّق بالغنى والجاه والمال، فهناك فقراء لا يملكون من المال لكنهم سعيدون بقناعتهم ورضاهم، والسّعادة تتحقق بوجود الحبّ حتّى مع من يتمنّى هلاكنا، والسعادة موجودة بكلّ إنسانٍ يعين غيره.


الصّور الفنيَّة في القصيدة

تنوّعت الصّور الفنيّة في قصيدة "كن بلسمًا"، ومن هذه الصّور الفنيّة:

  • كن بلسما: شبّه الشّاعر المتفائل كالبلسم الشافي(استعارة تصريحية).
  • إِنَّ الحَياةَ حَبَتكَ كُلَّ كُنوزِها: شبّه الحياة كإنسان يهبنا كنوزًا عظيمةً(استعارة مكنية).
  • أَيقِظ شُعورَكَ بِالمَحَبَّةِ إِن غَفا لَولا الشُعورُ الناسُ كانوا كَالدُمى: شبّه الشّاعر الشّعور كإنسانٍ نائم، نوقظه بالمحبّة.
  • وَإِذا وَقَفتَ عَلى المَنابِرِ أَوشَكَت أَخشابُها لِلزَهوِ أَن تَتَكَلَّما: شبّه الشّاعر الأخشاب كأناسٍ يتكلّمون.


السّمات الأسلوبيّة في القصيدة

تَعدّدت السّمات والخصائص الأسلوبيّة في شعر إيليا أبو ماضي، ومن هذه السّمات ما برزت في قصيدته "كن بلسمًا"، حيثُ كُتِبت بالسّمة العامّة الّتي عُرِف بها شعره، وهي سهولة الألفاظ، ووضوح اللّغة، فنجِدُ مفردات مألوفة، وتراكيب سهلة وواضحة، كَما برز أسلوب التّكرارِِ في قصيدته كقوله" لم تفح هذي، وهذا ما شدا "، و" عاشت مذمة، وعاش مذمًا"، إضافةً إلى قوله" لتبرمت وتبرما"، كما أنَّه حرص على استعمال أفعال الأمر مثل الفعل" كن، أيقظ، أحبب، أبغض"، وهذا يوحي على القوة، وعدم التّردد. كَما أنَّ العاطِفة الصّادقة ظهرت واضحةً في قصيدته.[٧]

المراجع

  1. الربح جغابة، جماليات الشعر المهجري إيليا أبو ماضي أنموذجًا، صفحة 55-57. بتصرّف.
  2. الإدارة العامة لتطوير الخطط والمناهج، الأدب العربي وتاريخه في العصر الحديث، صفحة 38. بتصرّف.
  3. ^ أ ب سامي الدهان، ديوان إيليا أبو ماضي 3، صفحة 657. بتصرّف.
  4. سامي الدهان، ديوان إيليا أبو ماضي 3، صفحة 657-658. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ت سامي الدهان، ديوان إيليا أبو ماضي 3، صفحة 658.
  6. سامي الدهان، ديوان إيليا أبو ماضي 3، صفحة 659.
  7. الإدارة العامة لتطوير الخطط والمناهج، الأدب العربي وتاريخه في العصر الحديث، صفحة 38-39. بتصرّف.