قصيدة أبي العتاهية في الزهد

اشتهر الشاعر أبو العتاهية في نظم القصائد في الزهد والحكمة، فله أشعار كثيرة في هذا الغرض، منها قصيدته المعنونة بـ "لا تعشق الدنيا"، وقبل البدء بشرحها هذا تعريف موجز بشاعرها أبي العتاهية، واسمه إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، المولود عام (130) هـ، وهو يعدّ واحدًا من أبرز شعراء العصر العباسي، وقد نشأ ونفسه مُفعمة بشاعرية قوية في عصر امتلأ بمجموعة من الشعراء الذين حققوا شهرة واسعة، لكنه استطاع إثبات نفسه.[١]


شرح قصيدة أبي العتاهية في الزهد

من القصائد الجميلة التي نظمها الشاعر أبو العتاهية في الزهد قصيدة "لا تعشق الدنيا"، والتي تقع في حدود (20) بيتًا، ويدعو أبو العتاهية فيها إلى الزهد في الحياة الدنيا، واصفًا أيامها بالمتقلّبة والتي لا تبقى على حال واحد، وقد تم تقسيم هذه القصيدة إلى عدة مقاطع فيما يأتي شرح موجز لاثنين منها:[٢]


شرح المقطع الأول


لَعَمرُكَ ما الدُنيا بِدارِ بَقاءِ كَفاكَ بِدارِ المَوتِ دارَ فَناءِ فَلا تَعشَقِ الدُنيا أُخَيَّ فَإِنَّما تَرى عاشِقَ الدُنيا بِجُهدِ بَلاءِ حَلاوَتُها مَمزوجَةٌ بِمَرارَةٍ وَراحَتُها مَمزوجَةٌ بِعَناءِ فَلا تَمشِ يَوماً في ثِيابِ مَخيلَةٍ فَإِنَّكَ مِن طينٍ خُلِقتَ وَماءِ لَقَلَّ امرُؤٌ تَلقاهُ لِلَّهِ شاكِراً وَقَلَّ امرُؤٌ يَرضى لَهُ بِقَضاءِ وَلِلَّهِ نَعماءٌ عَلَينا عَظيمَةٌ وَلِلَّهِ إِحسانٌ وَفَضلُ عَطاءِ



افتتح أبو العتاهية قصيدته بأسلوب القسم الذي يؤكد من خلالها على فكرته، وهي أنّ الحياة الدنيا زائلة وأنّ الحياة ما بعد الموت -الحياة الآخرة- هي دار البقاء، وفي هذا دعوة إلى عدم الحرص على الدنيا والتمسك بها، فمن يتمسّك بها هو الشقي والمبتلى لأنّه يُجهد نفسه لبلوغ أعلى مراتبها، ويُكمل الشاعر الحديث بالفكرة نفسها بأنّ السعادة والحزن في الدنيا ممزوجان ببعضهما، فالراحة فيها ليست دائمة، لذا ينهى الشاعر الإنسان عن التكبر ويُذكّره بأنه مخلوق من طين، فليشكر الله تعالى على ما وهبه من نِعَم، ومن المفردات التي تحتاج إلى توضيح ما يأتي:

  • الفناء: الزوال، وهي عكس البقاء.
  • عناء: تعب وشقاء.
  • المخيلة: المقصود بها الكِبر أو الكبرياء.


شرح المقطع الثاني


وَما الدَهرُ يَوماً واحِداً في اختِلافِهِ وَما كُلُّ أَيّامِ الفَتى بِسَواءِ وَما هُوَ إِلّا يَومُ بُؤسٍ وَشِدَّةٍ وَيَومُ سُرورٍ مَرَّةً وَرَخاءِ وَما كُلُّ ما لَم أَرجُ أُحرَمُ نَفعَهُ وَما كُلُّ ما أَرجوهُ أَهلَ رَجاءِ أَيا عَجَباً لِلدَهرِ لا بَل لِرَيبِهِ تَخَرَّمَ رَيبُ الدَهرِ كُلَّ إِخاءِ وَمَزَّقَ رَيبُ الدَهرِ كُلَّ جَماعَةٍ وَكَدَّرَ رَيبُ الدَهرِ كُلَّ صَفاءِ



إِذا ما خَليلٌ حَلَّ في بَرزَخِ البِلى فَحَسبي بِهِ نَأياً وَبُعدَ لِقاءِ أَزورُ قُبورَ المُترَفينَ فَلا أَرى بَهاءً وَكانوا قَبلُ أَهلَ بَهاءِ وَكُلٌّ رَماهُ واصِلٌ بِصَريمَةٍ وَكُلٌّ رَماهُ مُلطِفٌ بِجَفاءِ طَلَبتُ فَما أَلفَيتُ لِلمَوتِ حيلَةً وَيَعيا بِداءِ المَوتِ كُلُّ دَواءِ



يعود الشاعر في هذا المقطع ويؤكد على أنّ أيام الدنيا لا تبقى على حال واحد، وإنّما هي متقلّبة يوم يُسعدك ويوم يُشقيك، وربما يكون الخير والمنفعة في أمر لا يريده الإنسان، ويكون الشر في الأمر الذي يُريده، فلا يتمسك بالدنيا، بعدها يُشير الشاعر إلى تعجبه من مصائب الدهر ونوائبه التي تكدّر صفو العيش وتمزّق العلاقات بين الناس.


بعد ذلك ينتقل الشاعر بنا إلى مشهد الموت والقبور، فيقول إنّه إذا زار قبور الذين كانوا مترفين في الحياة الدنيا فلا يرى من ترفهم هذا شيئًا، فعند الموت لن يبقى مع الإنسان شيء، فلا توجد طريقة للخلاص من الموت، ولا دواء لمداواته، وهذا كلّه يحمل دعوة من الشاعر للزهد في الدنيا والالتفات إلى الحياة الآخرة، ومن المفردات التي تحتاج إلى توضيح ما يأتي:

  • بؤس: حُزن ومشقّة.
  • الرخاء: سعة العيش.
  • تخرّم: تشقّق أو تكسّر.
  • كدّر: عكّر صفوه.
  • ريب الدهر: مصائبه.
  • البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة، ويقصد به الشاعر هنا القبر.
  • نأيًا: بُعدًا.
  • المُترفين: المتنعّمين.
  • الصريمة: القطيعة.


الخصائص الفنية في قصيدة أبي العتاهية في الزهد

اتسمت هذه القصيدة التي تناولناها بالشرح لأبي العتاهية في الزهد بمجموعة من السمات والخصائص الفنية، منها الآتي ذكره:

  • تكرار بعض الألفاظ التي هدف الشاعر من خلالها إلى تأكيد المعنى العام للقصيدة، ولفت الانتباه إلى المعنى المُراد.
  • التنويع بين الأسلوب الخبري والأسلوب الإنشائي، مع الاعتماد أكثر على الأسلوب الخبري في نظم القصيدة، بقصد إيضاح المعنى أكثر.
  • توظيف العديد من المحسنات البديعية في هذه القصيدة.
  • توظيف الصور الفنية والتشبيهات والاستعارات.

المراجع

  1. حمسياتي، أبو العتاهية وخصائص شعره، صفحة 24. بتصرّف.
  2. أبو العتاهية، ديوان أبي العتاهية، صفحة 12. بتصرّف.