قصيدة المحرقة

تعود قصيدة المحرقة للشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري، الذي يعدّ من شعراء العصر الحديث، وقد وُلِدَ في بداية القرن العشرين كما تناقلت أغلب الكتب التاريخية، تحديدًا في عام 1900م في مدينة "النجف"، التي كانت تعدّ مركزًا دينيًا وأدبيًا وبيئة شعرية خصبة، وينحدر الجواهري من أسرة متدينة لها تاريخ ديني وسياسي واجتماعي، فكان لذلك الأثر في صقل شخصيته، فبدأ بالاهتمام بالأدب والشعر منذ صغره، حتى نبغ فيه واشتهر وأُطلقت عليه عدة أوصاف، منها: نابغة الشعر العربي، وشاعر العرب الأكبر، ووارث الشعر العربي، وغيرها.[١]


مناسبة قصيدة المحرقة

أراد الشاعر محمد مهدي الجواهري من نظمه لقصيدة المحرقة التعبير عمّا يجول في نفسه من مشاعر ورغبة في تحقيق الإنجازات، فظهرت فيها الروح الثائرة والنفس الطموحة التي تصبو إلى الإبداعات التي تخلّد اسمه وذكره بين الناس.[٢]


تحليل قصيدة المحرقة

فيما يأتي شرح وتحليل للمقاطع الثلاثة الأولى من قصيدة المحرقة:


شرح المقطع الأول

يفتتح الشاعر قصيدته ببثّ شكواه وما يجول في نفسه، فها هو يمضي في الحياة ويحاول أن يُخلّد ذكراه ويترك أثرًا، ومن كثرة تفكيره في هذا الأمر أصبح يجري فيه نفسه سيلٌ عنيفٌ من الغيظ، ويستعين الشاعر في التعبير عن ذلك بشماهد سمعية وبصرية، ويؤكّد في النهاية على أنّ رغبته الجامحة في تحقيق الإنجازات وعدم قدرته على ذلك انعكس أثرها السلبي على وجهه وعلى نفسه من الداخل، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣]


أَحاوِلُ خرقاً في الحياةِ فما أجرا وآسَفُ أن أمضي ولم أُبقِ لي ذكرا ويُؤلمني فرطُ افتكاري بأنَّني سأذهبُ لا نفعاً جلبتُ ولا ضُرّا مضتْ حِججٌ عَشْرٌ ونفسي كأنها من الغيظ سيلٌ سُدَّ في وجهه المجرى خيَرْتُ بها ما لو تخلَّدتُ بعدَه لمَا ازدَدْتُ عِلماً بالحياةِ ولا خُبرا وأبصرتُ ما أهوى على مثلهِ العمى وأُسمعتُ ما أهوى على مثلهِ الوَقْرا وقد أبقتِ البلوى على الوجهِ طابَعاً وخلَّفَتِ الشحناءُ في كبِدي نَغرا



شرح المقطع الثاني

يصف الشاعر في هذا المقطع من القصيدة الحالة التي وصل إليها مُكرهًا وليس برضاه، فظروف الحياة هي من جعلته يرتدي لباس الماكرين وتظهر عليه سماتهم، كما جعلته يتملّق للناس ويُقلل من قدره ومنزلته لديهم وهو الذي كانت مكانته عالية رفيعة وله شموخ كالصقر، لكن وبالرغم من كلّ ذلك التملّق والتنازل لم يحقق ما يرجوه وعاد بلا نتيجة، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣][٤]


تأمَّلْ إلى عيني تجدْ خَزَراً بها ووجهي تُشاهِدْه عن الناس مُزورّا ألم تَرَني من فرطِ شكٍّ ورِيبةٍ أُري الناسِ، حتى صاحبي، نظراً شزرا لبستُ لباسَ الثعلبيِّينَ مُكرهاً وغطَّيتُ نفساً إنَّما خُلقت نَسرا ومسَّحتُ من ذيلِ الحَمامِ تملّقاً وأنزلتُ من عَليا مكانتهِ صقرا وعُدتُ مليء الصدَّرِ حِقداً وقُرحةً وعادت يدي من كلِّ ما أمَّلَتْ صِفرا



شرح المقطع الثالث

يُشير الشاعر إلى أنّه صبر على الأذى اضطرارًا، بالرغم من معرفته أنّ الإنسان الحرّ لا يصبر على الأذى، بل يكون شجاعًا ويُعلن تمرّد ورفضه ويواجه المصاعب والمتاعب، كما أنّه إذا أراد تحقيق أمر ما لا يخاف مما سيواجه من صعاب وعقبات، فبغير ذلك لن يستطيع تحقيق رغباته وطموحاته، ويُكمل الشاعر حديثه بأنّ الدهر يقف له بالمرصاد ويُذيقه المرّ، وكأنّه بينهما معركة قوية؛ الدهر معه العدّة والعتاد والشاعر ضعيف ومُثخن الجراح وضيعف ليس معه عدة ولا أعوان، وقد كان ذنبه في ذلك أنه لم يكن شاكرًا للنعم، ولم يرضَ بالقليل؛ فنفسه طموحة لكل ما هو رفيع الشأن، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣][٤]


أقولُ اضطراراً قد صبَرتُ على الأذى على أنني لا أعرِفُ الحُرَّ مُضطرّا وليس بحُرٍّ مَن إذا رامَ غايةً تخوَّفَ أن ترمي به مَسلكاً وعْرا وما أنتَ بالمُعطي التمرُّدِ حقَّه إذا كنت تخشى أن تجوعَ وأن تَعرى وهل غيرَ هذا ترتجي من مَواطنٍ تُريد على أوضاعها ثورةً كبرى مشى الدهرُ نحوي مستثيراً خطوبَه كأني بعينِ الدهر قيصرُ أو كسرى وقد كانَ يكفي واحدٌ من صروفهِ لقد أسرفتْ إذ أقبلتْ زُمراً تترى مشى لي كعاداتِ المخانيثِ دارعاً يُنازِل قِرْناً مُثخَناً حاسِراً صدرا خليّاً من الأعوانِ لا ذُخرَ عندَه سوى الصبرِ أوحشْ بالذي صحبَ الصَّبرا وما كانَ ذنبي عندَه غيرَ أنني إذا مسَّني بالخيرِ لم أُطِلِ الشكرا ولم أتكفَّفْ باليسيرِ ولم أكنْ كمستأنِسٍ بالقُلِّ مستكثِرٍ نَزْرا طموحٌ يريني كلَّ شيءٍ أنالُه وإنْ جلَّ قَدرْاً دونَ ما أبتغي قدرا



السمات الفنية في قصيدة المحرقة

تتسم قصيدة المحرقة بمجموعة من الخصائص والسمات الفنية، يُذكَر منها ما يأتي:[٥]

  • تحميل المفردات والتعابير الواردة في القصيدة العديد من الإيحاءات والدلالات.
  • تآلف الصور الفنية الواردة في القصيدة.
  • حُسن الصياغة والقدرة على التأثير في المتلقي.

المراجع

  1. صيتة الحربي، الحنين للوطن في شعر الجواهري دراسة فنية، صفحة 21. بتصرّف.
  2. "قراءة أخير في قصيدة المحرقة للجواهري"، النور. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت صدام فهد الأسدي، قصيدة المحرقة للجواهري دراسة نصية تحليلية حديثة، صفحة 4. بتصرّف.
  4. ^ أ ب "قراءة أخير في قصيدة المحرقة للجواهري"، النور. بتصرّف.
  5. صدام فهد الأسدي، قصيدة المحرقة للجواهري دراسة نصية تحليلية حديثة، صفحة 3. بتصرّف.