قصيدة الكوليرا

تعود قصيدة الكوليرا للشاعرة العراقية نازك الملائكة، التي ولدت في بغداد عام 1923م، وهي تنتمي إلى أسرة ذات علم وأدب؛ فوالدها صادق الملائكة أديب وباحث، ووالدتها سلمى عبد الرزاق شاعرة، وذلك هيّأ لها أسباب الثقافة والمعرفة، حتى غدت شاعرة مبدعة وناقدة فريدة؛ إذ توجد لها العديد من المجاميع الشعرية والدراسات النقدية، منها ما نُشر في المجلات والصحف الأدبية، ومنها ما ضمّها كتاب، ومن إحدى روائع نازك الملائكة قصيدة الكوليرا التي سيتم شرحها في السطور التالية.[١]


مناسبة قصيدة الكوليرا

بثّت نازك الملائكة في قصيدة الكوليرا أحاسيسها ومشاعرها تجاه مصر التي ألمّ بها وباء الكوليرا، إذ حاولت التعبير عن فظاعة هذا الوباء بما يحمله من حزن وألم وموت ودمار في الريف المصري.[٢]


تحليل قصيدة الكوليرا

تعدّ قصيدة الكوليرا أول قصيدة تُكتب فيما يُعرَف بالشعرّ الحرّ في الأدب العربي، وقد تم تقسيمها إلى عدة مقاطع فيما يأتي شرحها وتوضيحها:[٣]


شرح المقطع الأول

بدأت الشاعرة قصيدتها بتحديد الزمن، وهو الليل الذي يعبّر عن الظلام ويمثّل رمزًا للمرض والحزن والآهات التي تملأ البيوت، وقد ضمّنت هذا المقطع العديد من الصور الفنية، فقد شبّهت الحزن من كثرته بالماء المتدفق، وقلب الإنسان من شدة ألمه وحسرته كالقِدر الذي يغلي فيه الماء، كما شبهت نهر النيل -وهو كناية عن المكان الذي حلّ فيه الوباء- بالإنسان المريض الذي يصرخ من شدة الألم، ويُلاحظ في هذا المقطع تكرار لفظ الموت، مما يدل على شموليته واجتياحه وسيطرته على جميع الأمكنة في مصر، فهذا الوباء يدعو الإنسان إلى الصراخ والأنين ويولّد الموت، ويتمثل ذلك بما يأتي:[٢][٤]

سكَن الليلُ

أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ

في عُمْق الظلمةِ، تحتَ الصمتِ، على الأمواتْ

صَرخَاتٌ تعلو، تضطربُ

حزنٌ يتدفقُ، يلتهبُ

يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ

في كل فؤادٍ غليانُ

في الكوخِ الساكنِ أحزانُ

في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ

في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ

هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ

الموتُ الموتُ الموتْ

يا حُزْنَ النيلِ الصارخِ مما فعلَ الموتْ


شرح المقطع الثاني

تُشير الشاعرة هنا إلى أنّ الوباء بدأ بحصد المزيد من الأرواح، فأعداد الضحايا في تزايد، وكأنّ الموت إنسان لا يرى فيسير ويقضي على الجميع دون أن يفرّق بين أحد؛ فلا يفرّق بين طفل صغير مسكين ولا شيخ كبير مفجوع، وفي تعبير "كفّ الموت" كناية عن شدّته وقسوته بسبب وباء الكوليرا، وفي هذا المقطع أيضًا كررت الشاعرة لفظ الموت لتؤكد على مدى سيطرته، ويتمثل ذلك بما يأتي:[٢][٤]

طَلَع الفجرُ

أصغِ إلى وَقْع خُطَى الماشينْ

في صمتِ الفجْر، أصِخْ، انظُرْ ركبَ الباكين

عشرةُ أمواتٍ، عشرونا

لا تُحْصِ أصِخْ للباكينا

اسمعْ صوتَ الطِّفْل المسكين

مَوْتَى، مَوْتَى، ضاعَ العددُ

مَوْتَى، موتَى، لم يَبْقَ غَدُ

في كلِّ مكانٍ جَسَدٌ يندُبُه محزونْ

لا لحظَةَ إخلادٍ لا صَمْتْ

هذا ما فعلتْ كفُّ الموتْ

الموتُ الموتُ الموتْ

تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ


شرح المقطع الثالث

تُشير الشاعرة في هذا المقطع إلى أنّ مصر تحولت إلى كهف يضمّ جثث الموتى وجسد المرضى الذين يصرخون من الألم، وقد كانت ترى أنّ الموت كالدواء فيه راحة من الألم والعناء، لكنّ هذا الوباء استيقظ وبثّ حقده الذي أصبح يتدفق كالماء حتى أنّ الطبيعة الجمبلة صرخت من هول الموقف؛ فلم يكن الموت هنا راحة، وما زالت أصوات الصراخ والبكاء والآهات مستمرة، تاركةً أثرها في كل بيت في مصر، وجاء ذلك مؤكدًا بتكرار لفظ الموت، ويتمثل ذلك بما يأتي:[٤]

الكوليرا

في كَهْفِ الرُّعْب مع الأشلاءْ

في صمْت الأبدِ القاسي حيثُ الموتُ دواءْ

استيقظَ داءُ الكوليرا

حقْدًا يتدفّقُ موْتورا

هبطَ الوادي المرِحَ الوُضّاءْ

يصرخُ مضطربًا مجنونا

لا يسمَعُ صوتَ الباكينا

في كلِّ مكانٍ خلَّفَ مخلبُهُ أصداءْ

في كوخ الفلاّحة في البيتْ

لا شيءَ سوى صرَخات الموتْ

الموتُ الموتُ الموتْ


شرح المقطع الرابع

تُؤكد الشاعرة في المقطع الأخير أنّ هذا الوباء الذي تجسّد الموت فيه لينتقم من البشرية لم يترك سوى الألم والنّواح والحزن المنتشر في كلّ مكان، ومن كثرة الموت لن يجد الميت من يتذكره ومن يدفنه ويُصلي عليه، فالكلّ مشغول في هول ما أصابه، مع تكرار لفظ الموت أيضًا، وتؤكد الشاعرة في النهاية على حزنها الشخصي على مصر وما حلّ بها، ويتمثل ذلك بما يأتي:[٢][٤]

في شخص الكوليرا القاسي ينتقمُ الموتْ

الصمتُ مريرْ

لا شيءَ سوى رجْعِ التكبيرْ

حتّى حَفّارُ القبر ثَوَى لم يبقَ نَصِيرْ

الجامعُ ماتَ مؤذّنُهُ

الميّتُ من سيؤبّنُهُ

لم يبقَ سوى نوْحٍ وزفيرْ

الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ

يبكي من قلبٍ ملتهِبِ

وغدًا لا شكَّ سيلقفُهُ الداءُ الشرّيرْ

يا شبَحَ الهيْضة ما أبقيتْ

لا شيءَ سوى أحزانِ الموتْ

الموتُ، الموتُ، الموتْ

يا مصرُ شعوري مزَّقَهُ ما فعلَ الموتْ


السمات الفنية في قصيدة الكوليرا

اتسمت قصيدة الكوليرا بمجموعة من الخصائص والسمات الفنية، منها ما يأتي ذكره:[٤]

  • تكرار مجموعة من الأصوات والأحرف التي تتناسب مع مقام القصيدة ومقصدها.
  • الاعتماد على أسلوب التقديم والتأخير.
  • كثرة الصور البلاغية في القصيدة.

المراجع

  1. يمينة بن ديدة، نجاة بن ديدة، الحداثة في الشعر العربي المعاصر نازك الملائكة أنموذجًا، صفحة 92. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث شريف موسى، نازك الملائكة وقصيدة الوباء تحليل ودراسة، صفحة 4-6. بتصرّف.
  3. يمينة بن ديدة، نجاة بن ديدة، الحداثة في الشعر العربي المعاصر نازك الملائكة أنموذجًا، صفحة 99. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث ج يمينة بن ديدة، حياة بن ديدة، الحداثة في الشعر العربي المعاصر نازك الملائكة أنموذجًا، صفحة 100-116. بتصرّف.