قصيدة البردة للبوصيري

تعود قصيدة بُردة المديح النبوي أو كما يُطلق عليها أيضًا الكواكب الدرية في مدح خير البرية للبوصيري، واسمه شرف الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد الصنهاجي البوصيري، ولد سنة (608 هـ) في إحدى قرى صعيد مصر، وقد تلقى علوم العربية والأدب منذ نعومة أظفاره، وتتلمذ على يد عدد من أعلام عصره، من أمثال أبي الحسن الشاذلي، ويُذكر أنه نظم الشعر من حداثة سنّه حتى أجاد قرض الشعر البليغ الذي تجلت فيه مظاهر الجزالة والسهولة، وله قصائد كثيرة برع فيها.[١]



مناسبة قصيدة البردة للبوصيري

تعدّ هذه القصيدة من أشهر ما قيل في مدح النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وقد نظمها البوصيري لما أُصيب بشلل نصفي استشفاعًا بها إلى الله تعالى ليشفيه ويُعافيه مما أصابه، إذ يقول إنّه كرر إنشادها ودعا الله تعالى وتوسّل إليه ثم رأى في منامه رسول الله يمسح عليه بيده المباركة ويُلقي عليه بُردته، وبإذن الله ورحمته شُفي البوصيري من مرضه بعد أن نظم هذه القصيدة، وعادت إليه صحته.[٢]


تحليل قصيدة البردة للبوصيري

تعد قصيدة البردة للبوصيري من المطولات الشعرية، وقد اتفقت معظم النسخ الصحيحة على أنّها تقع في مئة وستين بيتًا، ولتسهيل شرحها وتحليلها تم تقسيمها إلى عدة مقاطع فيما يأتي توضيح وشرح لبعضها:[٢]


شرح المقطع الأول

يمتد هذا المقطع من البيت الأول إلى البيت الثاني عشر، بدأ الشاعر قصيدته بالنَّسيب النبوي الذي جاء على صورة غزل طاهر بريء، فأفصح فيه عن نار شوقه إلى الأراضي الطاهرة التي يحنّ إليها قلب كلّ مسلم، وهنا يُجرّد الشاعر من نفسه إنسانًا آخر يُخاطبه ويسأله عن سبب البكاء والدموع المنهمرة، هل هو من تذكر الأحبة وأماكنهم أم أنّ الريح جاءت من ناحيتهم تحمل بعضًا من عبيرهم وشذاهم، ويستطرد الشاعر في وصف حبه وهيامه الذي لا يستطيع إخفاءه عن أعين اللائمين مهما حاول إظهار الصبر والقوة والتحمل فعلامات المحبة تكشفه، والتي تتمثل بهيمان الدمع، واضطراب القلب، وإراقة الدمع على الأطلال، وعدم النوم.[٣]


بعد أن انكشف أمر الشاعر وحبّه وهيامه يعود ويطلب المعذرة وعدم المؤاخذة لهذا الهوى، فلو أصابك أيها العاذل ما أصابه وحلّ بك ما حلّ به لأنصفته وما ظلمته بهذا اللوم، ثم يعترف الشاعر للائمه بما أسداه إليه من النصح لكنه لم يلتفت إلى نصحه، فليوفر عليه نصحه لأنه لن يستمع إليه أبدًا، فقد تمكن حب الله ورسوله في قلبه، وهذه شيمة من يتمكن الهوى والحب من قلوبهم، ومن أبيات القصيدة التي مثلت ذلك ما يأتي:[٣]


أمِنْ تذَكُّرِ جيرانٍ بذي سلمِ مزجتَ دمعاً جرى من مقلة ٍ بدمِ أمْ هبَّتِ الريحُ من تلقاءِ كاظمة ٍ وأوْمَضَ البَرْقُ في الظلْماءِ مِنْ إضَمِ فما لعينيكَ إن قلتَ اكففا هَمَتا ومَا لِقَلْبِك إنْ قُلْتَ اسْتَفِقْ يَهِمِ أَيَحْسَبُ الصَّبُّ أنَّ الحُبَّ مُنْكتِمٌ ما بَيْنَ مُنْسَجِم منهُ ومضطَرِمِ لولاَ الهَوَى لَمْ تُرِقْ دَمْعاً عَلَى طَلَلٍ ولا أرقتَ لذكرِ البانِ والعَلم ِ فكيفَ تُنْكِرُ حُبَّا بعدَ ما شَهِدَتْ بهِ عليكَ عدولُ الدَّمْعِ والسَّقَم وَأثْبَتَ الوجْدُ خَطَّيْ عَبْرَة ٍ وضَنًى مِثْلَ البَهارِ عَلَى خَدَّيْكَ والعَنَمِ نعمْ سرى طيفُ من أهوى فأرقني والحُبُّ يَعْتَرِضُ اللَّذاتِ بالأَلَمِ يا لائِمِي في الهَوَى العُذْرِيِّ مَعْذِرَة ً منِّي إليكَ ولو أنصفتَ لم تلُمِ عَدَتْكَ حالِيَ لا سِرِّي بمُسْتَتِرٍ عن الوُشاة ِ ولادائي بمنحسمِ مَحَّضَتْنِي النُّصْحَ لكِنْ لَسْتُ أَسْمَعُهُ إنَّ المُحِبَّ عَن العُذَّالِ في صَمَمِ إني اتهمتُ نصيحَ الشيبِ في عذلٍ والشَّيْبُ أَبْعَدُ في نُصْحٍ عَنِ التُّهَم



شرح المقطع الثاني

يمتد هذا المقطع من البيت الثالث عشر إلى البيت الثامن والعشرين، صوّر فيه الشاعر النفس الإنسانية وحذّر من هواها، وضمّنه خطرات نفسية على جانب كبير من الأهمية؛ إذ تحدث عن فساد نفسه وانصرافها عن دعوة الحق، وتقصيرها في أداء الواجب، بالرغم من شيب شعره وتمكّن العجز من أعضائه، لكنّ النفس لم تكفّ عن جهلها، فهل من مُعين على كبح جماحها ولجمها كما تُلجم الخيل.[٣]


ويُشير الشاعر إلى أنّ النجاة تكون بعدم الإنصات للنفس وعدم الاستجابة لنوازعها، ومخالفتها هي والشيطان مهما حاولا أن يُظهرا الودّ والمحبة؛ لأنهما أعداء الإنسان في هذه الحياة؛ فالنفس أمار بالسوء والشيطان عدو مبين، ثم يحذّر الشاعر الإنسان من أن يكون من الذي يقولون ما لا يفعلون، فذلك من أقبح الصفات التي قد يتصف بها، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣]


فإنَّ أمَّارَتي بالسوءِ ما اتعظتْ من جهلها بنذيرِ الشيبِ والهرمِ ولا أَعَدَّتْ مِنَ الفِعْلِ الجَمِيلِ قِرَى ضيفٍ المَّ برأسي غير محتشمِ لو كنت أعلم أني ما أوقره كتمت سرا بدا لي منه بالكتم من لي بِرَدِّ جماحٍ من غوايتها كما يُرَدُّ جماحُ الخيلِ باللجمِ فلا تَرُمْ بالمعاصِي كَسْرَ شَهْوَتِها إنَّ الطعامَ يُقَوِّي شهوة َ النهمِ والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم فاصرفْ هواها وحاذرْ أنْ تُوَلِّيَهُ إنَّ الهوى ما تولَّى يُصمِ أوْ يَصمِ وَراعِها وهيَ في الأعمالِ سائِمة ٌ وإنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ المَرْعَى فلا تُسِم كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّة ٍ لِلْمَرءِ قاتِلَة ً من حيثُ لم يدرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ وَاخْشَ الدَّسائِسَ مِن جُوعٍ وَمِنْ شِبَع فَرُبَّ مَخْمَصَة ٍ شَرٌّ مِنَ التُّخَمِ واسْتَفْرِغ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنٍ قد امْتَلأتْ مِنَ المَحارِمِ وَالْزَمْ حِمْيَة َ النَّدَمِ وخالفِ النفسَّ والشيطانَ واعصهما وإنْ هُما مَحَّضاكَ النُّصحَ فاتهم وَلا تُطِعْ منهما خَصْماً وَلا حَكمَاً فأنْتَ تَعْرِفُ كيْدَ الخَصْمِ والحَكمِ أسْتَغْفِرُ الله مِنْ قَوْلٍ بِلاَ عَمَلٍ لقد نسبتُ به نسلاً لذي عقمِ أمرتكَ الخيرَ لكنْ ماائتمرتُ بهِ وما استقمتُ فماقولي لك استقمِ ولا تَزَوَّدْتُ قبلَ المَوْتِ نافِلة ً ولَمْ أُصَلِّ سِوَى فَرْضٍ ولَمْ أَصُمِ



شرح المقطع الثالث

يمتد هذا المقطع من البيت التاسع والعشرين إلى البيت الثامن والخمسين، يتحدث فيه الشاعر عن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم مادحًا له، إذ يذكر أحواله وقيامه الليل متهجدًا، وكيف كان يشدّ أحشاءه من الجوع تحت الحجارة، وعزة نفسه حين راودته الجبال لتكون له ذهبًا.[٣]


بعد ذلك ينتقل الشاعر إلى ذكر بعض من شمائله صلى الله عليه وسلم؛ فهو سيد الأرض والسماء، وأفضل مخلوق من الإنس والجنّ، وأشرف العرب والعجم، ورسول الخير والحق، والداعي إلى الهدى والبر، والناهي عن الباطل والشرّ، فهو أصدق القائلين في النفي والإثبات، وهو الشفيع المشفع يوم القيامة، والمُختار على الجميع خَلْقًا وخُلُقًا، فلم يجاوره في جمال الجسم وكمال الخُلُق وسعة العلم أحد، ويؤكد الشاعر على أنه مهما أوتي الإنسان من بيان وبلاغة فلن يستطيع أن يصل إلى عظمة الرسول الكريم، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٣]


ظلمتُ سُنَّة َ منْ أحيا الظلامَ إلى أنِ اشْتَكَتْ قَدَماهُ الضُّرَّ مِنْ وَرَم وشدَّ مِنْ سَغَبٍ أحشاءهُ وَطَوَى تحتَ الحجارة ِ كشحاً مترفَ الأدمِ وراودتهُ الجبالُ الُشُّمُّ من ذهبٍ عن نفسهِ فأراها أيما شممِ وأكَّدَتْ زُهْدَهُ فيها ضرورتهُ إنَّ الضرورة َ لاتعدو على العصمِ وَكَيفَ تَدْعُو إلَى الدُّنيا ضَرُورَة ُ مَنْ لولاهُ لم تخرجِ الدنيا من العدمِ محمدٌ سيدُّ الكونينِ والثَّقَلَيْنِ والفريقينِ من عُربٍ ومن عجمِ نبينَّا الآمرُ الناهي فلا أحدٌ أبَرَّ في قَوْلِ «لا» مِنْهُ وَلا «نَعَمِ» هُوَ الحَبيبُ الذي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ لِكلِّ هَوْلٍ مِنَ الأهوالِ مُقْتَحَمِ دعا إلى اللهِ فالمستمسكونَ بهِ مستمسكونَ بحبلٍ غيرِ منفصمِ



فاقَ النبيينَ في خلْقٍ وفي خُلُقٍ ولمْ يدانوهُ في علمٍ ولا كَرَمِ وكلهمْ من رسول اللهِ ملتمسٌ غَرْفاً مِنَ البَحْرِ أوْ رَشْفاً مِنَ الدِّيَمِ وواقفونَ لديهِ عندَ حَدِّهمِ من نقطة ِ العلمِ أومنْ شكلة ِ الحكمِ فهْوَ الذي تَمَّ معناهُ وصُورَتُه ثمَّ اصطفاهُ حبيباً بارىء ُ النَّسمِ مُنَّزَّهٌ عن شريكٍ في محاسنهِ فَجَوْهَرُ الحُسْنِ فيهِ غيرُ مُنْقَسِمَ



شرح المقطع الرابع

يمتد هذا المقطع من البيت التاسع والخمسين إلى البيت الحادي والسبعين، وفيه يتحدث الشاعر عن مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، فيُشير إلى أنّ الله تعالى أظهر عند مولده حقيقته الخاصة به بخوارق العادات، كما يُشير إلى أنّ يوم ولادته صلى الله عليه وسلم تفطّن الفُرس أنّ العقوبة والشدّ نزلت بهم، وبدأت التفرقة بين كسرى وأصحابه كالصدوع التي تحدث في جدران المنزل، وبذلك يصوّر الشاعر ما سيحدث للكفار أيضًا بقدوم هذا النبي الكريم، وقد دلّت على قدومه الكُتُب المنزلة السابقة، وتنكست الأصنام وهرب الشيطان، كما أنّ الجنّ بدأ يهتف ويصيح لما رأى الأنوار التي سطعت يوم مولده، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٤][٢]


أبان مولدهُ عن طيبِ عُنصرهِ يا طِيبَ مُبْتَدَأ منه ومُخْتَتَمِ يومٌ تفرَّسَ فيهِ الفرسُ أنهم ُ قد أنذروا بحلولِ البؤسِ والنقمِ وباتَ إيوانُ كسرى وهو منصدعٌ كشملِ أصحابِ كسرى غيرَ ملتئمِ والنَّارُ خامِدَة ُ الأنفاس مِنْ أَسَفٍ عليه والنَّهرُ ساهي العين من سدمِ وساء ساوة أن غاضتْ بحيرتها ورُدَّ واردها بالغيظِ حين ظمى َ كأنَّ بالنارِ مابالماء من بللٍ حُزْناً وبالماءِ ما بالنَّارِ من ضرمِ والجنُّ تهتفُ والأنوار ساطعة ٌ والحَقُّ يَظْهَرُ مِنْ مَعْنى ً ومِنْ كَلِم عَموُا وصمُّوا فإعلانُ البشائرِ لمْ تُسْمَعْ وَبارِقَة ُ الإِنْذارِ لَمْ تُشَم مِنْ بَعْدِ ما أَخْبَرَ الأقْوامَ كاهِنُهُمْ بأَنَّ دينَهُمُ المُعْوَجَّ لَمْ يَقُمِ وبعدَ ما عاينوا في الأفقِ من شُهُبٍ منقضة ٍ وفقَ مافي الأرضِ من صنمِ حتى غدا عن طريقِ الوحيِ مُنهزمٌ من الشياطينِ يقفو إثرَ منهزمِ كأَنُهُمْ هَرَباً أبطالُ أَبْرَهَة ٍ أوْ عَسْكَرٌ بالحَصَى مِنْ رَاحَتَيْهِ رُمِي نَبْذاً بهِ بَعْدَ تَسْبِيحِ بِبَطْنِهما نَبْذَ المُسَبِّحِ مِنْ أحشاءِ مُلْتَقِمِ



شرح المقطع الخامس

يمتدّ هذا المقطع من البيت الثاني والسبعين إلى البيت السابع والثمانين، يتحدث فيه الشاعر عن المعجزات التي أيّد بها الله تعالى نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، فالنبي نادى شجرة فأقبلت خاضعة ماشية على ساقها وهي تشق الأرض شقًا ولم يكن في مشيها عوج ولا ميل، بل تمشي مشية استقامة كالإنسان الذي يأتي بأدب، ومجيء الأشجار له بأمره وإشارته مثل الغمامة في تظليلها إياه من حرّ الشمس في وضح النهار، وهما معجزتان خارقتان له، إلى جانب ذلك ذكر الشاعر العديد من معجزاته صلى الله عليه وسلم، التي تتمثل بانشقاق القمر، والحادثة التي حدثت عند الهجرة عندما كان مع صاحبه الصدّيق في الغار ولم يعرف الكفار بوجودهما، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٤][٢]


جاءتْ لدَعْوَتِهِ الأشجارُ ساجِدَة ً تَمْشِي إليهِ عَلَى ساقٍ بِلا قَدَمِ كأنَّما سَطَرَتْ سَطْراً لِمَا كَتَبَتْ فروعها من بديعِ الخطِّ في اللقمِ مثلَ الغمامة ِ أنى َسارَ سائرة ٌ تقيهِ حرَّ وطيسٍ للهجيرِ حمي أقسمتُ بالقمرِ المنشقِّ إنَّ لهُ مِنْ قَلْبِهِ نِسْبَة ً مَبْرُورَة َ القَسَمِ ومَا حَوَى الغارُ مِنْ خَيْرٍ ومَنْ كَرَم وكلُّ طرفٍ من الكفارِ عنه عمي فالصدقُ في الغارِ والصديقُ لم يرِما وَهُمْ يقولونَ ما بالغارِ مِنْ أَرمِ ظَنُّوا الحَمامَ وظَنُّو العَنْكَبُوتَ على خيْرِ البَرِيَّة ِ لَمْ تَنْسُجْ ولمْ تَحُم وقاية ُ اللهِ أغنتْ عن مضاعفة ٍ من الدروعِ وعن عالٍ من الأطمِ ما سامني الدهرُ ضيماً واستجرتُ بهِ إلاَّ استلمتُ الندى من خيرِ مُستلمِ لاتنكرُ الوحيَ من رؤياهُ إنَّ لهُ قَلْباً إذا نامَتِ العَيْنانِ لَمْ يَنمِ وذاكَ حينَ بُلوغٍ مِنْ نُبُوَّتِهِ فليسَ يُنْكَرُ فيهِ حالُ مُحْتَلِمِ تَبَارَكَ الله ما وحْيٌ بمُكْتَسَبٍ وَلا نَبِيٌّ عَلَى غَيْبٍ بِمُتَّهَمِ



شرح المقطع السادس

يمتدّ هذا المقطع من البيت الثامن والثمانين إلى البيت الرابع بعد المئة، يتحدث فيه الشاعر عن معجزة القرآن الكريم ويمدحه، ففيه آيات حقّ بليغة منزّلة من عند الله تعالى تحدّى بها فصاحة العرب وبلاغتهم، وقد جاء القرآن صالحًا لكل زمان ومكان ولجميع الأقوام، فهو معجزة خالدة لأبد الدهر، وفاق معجزات الأنبياء السابقين، كما أن الآيات القرآنية محكمة ناصرة لأهل الحق، وما عارضها من معارض إلا ورجع مستسلمًا معلنًا عجزه عن معارضته، ويُشير الشاعر إلى أنّه مهما عدّد أحدٌ صفات للقرآن ومعانيه فلن يقدر على إحصائها، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٤][٢]


دعني ووصفي آياتٍ له ظهرتْ ظهورَ نارِ القرى ليلاً على علمِ فالدرُّ يزدادُ حُسناً وهو منتظمٌ وليسَ ينقصُ قدراً غير منتظمِ فما تَطاوَلُ آمالُ المَدِيحِ إلى ما فيهِ مِنْ كَرَمِ الأَخْلاَقِ والشِّيَمِ آياتُ حقٍّ من الرحمنِ محدثة قَدِيمَة ٌ صِفَة ُ المَوْصوفِ بالقِدَم لم تقترنْ بزمانٍ وهي تخبرنا عَن المعادِ وعَنْ عادٍ وعَنْ إرَمِ دامَتْ لَدَيْنا فَفاقَتْ كلَّ مُعْجِزَة مِنَ النَّبِيِّينَ إذْ جاءتْ ولَمْ تَدُمِ مُحَكَّماتٌ فما تبقينَ من شبهٍ لذي شقاقٍ وما تبغينَ من حكمِ ما حُورِبَتْ قَطُّ إلاَّ عادَ مِنْ حَرَبٍ أَعْدَى الأعادي إليها مُلقِيَ السَّلَمِ رَدَّتْ بلاغَتُها دَعْوى مُعارِضِها ردَّ الغيور يدَ الجاني عن الحُرمِ وفَوْقَ جَوْهَرِهِ فِي الحُسْنِ والقِيَمِ فما تُعَدُّ وَلا تُحْصَى عَجَائبُها ولا تُسامُ عَلَى الإكثارِ بالسَّأَمِ قرَّتْ بها عينُ قاريها فقلت له لقد ظفِرتَ بِحَبْلِ الله فاعْتَصِمِ إنْ تَتْلُها خِيفَة ً مِنْ حَرِّ نارِ لَظَى أطْفَأْتَ نارَ لَظَى مِنْ وِرْدِها الشَّبمِ كأنها الحوضُ تبيضُّ الوجوه به



شرح المقطع السابع

يمتدّ هذا المقطع من البيت الرابع بعد المئة إلى البيت السابع عشر بعد المئة، يتحدث فيه الشاعر عن معجزة الإسراء والمعراج، فقد سرى النبي صلى الله عليه وسلم ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كالبدر الذي يسري في ليل مظلم، وقد نال منزلة رفيعة لم ينلها أحد من قبله، وصعد السماوات السبع واحدة تلوى الأخرى ومرّ بالرسل والأنبياء الكِرام الذين سبقوه، ومن أبيات القصيدة التي تمثل ذلك ما يأتي:[٤][٢]


كما سرى البدرُ في داجٍ من الظلمِ وَبِتَّ تَرْقَى إلَى أنْ نِلْتَ مَنْزِلَة ً من قابِ قوسينِ لم تدركْ ولم ترمِ وقدَّمتكَ جميعُ الأنبياءِ بها والرُّسْلِ تَقْدِيمَ مَخْدُومٍ عَلَى خَدَم وأنتَ تخترق السبعَ الطِّباقَ بهمْ في مَوْكِبٍ كنْتَ فيهِ صاحِبَ العَلَمِ حتى إذا لَمْ تَدَعْ شَأْواً لمُسْتَبِقٍ من الدنوِّ ولا مرقيً لمستنمِ خفضتَ كلَّ مقامٍ بالإضافة إذ نُودِيتَ بالرَّفْعِ مِثْلَ المُفْرَدِ العَلَم كيما تفوزَ بوصلٍ أيِّ مستترٍ عن العيونِ وسرٍّ أيِ مُكتتمِ فَحُزْتَ كلَّ فَخَارٍ غيرَ مُشْتَرَكٍ وجُزْتَ كلَّ مَقامٍ غيرَ مُزْدَحَمِ وَجَلَّ مِقْدارُ ما وُلِّيتَ مِنْ رُتَبٍ



المقاطع الثلاثة الأخيرة

في المقاطع الثلاثة الأخيرة من القصيدة تحدث الشاعر عن جهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزواته، ثم انتقل إلى إظهار التشفع والتوسّل بالنبي الكريم، وختم قصيدته بالمناجاة والتضرع.[٢]


السمات الفنية في قصيدة البردة للبوصيري

اتسمت قصيدة البردة للبوصيري بمجموعة من الخصائص والسمات الفنية، منها ما يأتي ذكره:[٥]

  • جمال الصور البيانية وتشكيلاتها الوصفية.
  • عُمق المعاني وحُسن اختيار الألفاظ.
  • صدق العاطفة المبثوثة في هذه القصيدة.
  • التنسيق الصوتي والإيقاع المتناغم للقصيدة.
  • الاعتماد على أسلوب التقديم والتأخير لعناصر الجملة حسب ما تقتضيه الحاجة الدلالية والبلاغية.
  • التأثر الواضح بالقرآن الكريم والسيرة النبوية، والقَصَص الديني الموروث.

المراجع

  1. محمد أبو الحسين، قصيدة البردة للبوصيري دراسة أدبية، صفحة 3. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث ج ح خ محمد أبو الحسين، قصيدة البردة للبوصيري دراسة أدبية، صفحة 7-9. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت ث ج ح محمد أبو الحسين، قصيدة البردة للبوصيري دراسة أدبية، صفحة 9-11. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث الإمام خالد الأزهري، شرح البردة، صفحة 80-125. بتصرّف.
  5. حكيمة بوشلالق، بردة البوصيري دراسة أسلوبية، صفحة 93. بتصرّف.