قصيدة فضل العلم

تعود قصيدة فضل العلم للعالم أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني الملقب بمالكٍ الصغير، والمتوفى سنة 386 هـ، وهو فقيه ومشارك في جميع العلوم الشرعية، له قصائد بديعة وجميلة، منها في بديع وإجلال الله لخلق السماوات والأرض، ومحبة النّبي صلى الله عليه وسلم، وقصائد فيها شفقة، ونصح للبريّات، وهي قصائد تدل على حسن تذوّق الكلمات، وجمال صياغةٍ للعبارات، ومنها قصيدة فضل العلم التي بين أيدينا.[١]


مناسبة قصيدة فضل العلم

قصيدة فضل العلم هي قصيدة على نظام الشطرين، من البحرالبسيط، تدور حول طلب العلم، والحث عليه، وبيان فضله، ورفعة أهله، وشرف منزلته ومنزلتهم، وفيها بيان انحطاط منزلة الجهل وأهله، مع التنبيه على الإخلاص لله سبحانه عز وجل في طلب العلم، واللجوء إليه تعالى في تيسير تحصيل العلم، والمعرفة.


الفكرة العامّة لقصيدة

الدّعوة إلى العلم والحث عليه، وبيان فضل العلم والإخلاص لله في طلبه، ورفعة منزلة العلماء، ونبذ الجهل، وأهله، ومظاهره.


الأفكار الرّئيسية في القصيدة

  • إسداء النصيحة لمن يرغب بقبولها وسماعها، والاتعاظ بها.
  • الاشتغال بالمطالب والآمال النافعة، والعزم على تحقيقها.
  • مقارنة بين الجاهل، وبين صاحب العلم.
  • الدعوة إلى طلب العلم لوجه الله تعالى، وبنية رضاه عز وجل.
  • شكر الله، وحمده على نعمة العلم.


شرح قصيدة فضل العلم

يستهل الشاعر قصيدته بمنح النصيحة قائلًا: إني لأهب وأعطي النّصيحة، وأبذلها، وأقدمها لمن أراد أن يأخذ هذه النصيحة، ويعمل، وينتفع بها، ثم ينادي الشاعر لمن يذهب رواحًا في المساء، ويغدو في وقت الصباح إلى مطالبه، فهناك مطلب فائتٌ وذاهب فإذا أردت أن تحققه، (وهو مبلغ العلم النافع والعمل الصالح) فاحرص على مطلبك هذا لأنك ستناله، والعمر ينقضي، ويذهب، ولكن الأمل والرجاء والأماني تبقى قائمةً مستمرةً وأنت أيها الإنسان ترجو أن تنالها وتحققها فعليك أن تنظر للعزم، والنية، والهمّة فيمَ شغلتها هل شغلتها بهذه الآمال، والأمنيات أم أنّك شغلت العزم والهمّة بما لا ينفع. يقول الشاعر في ذلك:[٢]


إِنِّي لَأَمْنَحُ نُصْحِي ثُمَّ أَبْذُلُهُ لِمَنْ بَغَى نَفْعَهُ عَنِّي وَيَقْبَلُهُ يَا مَنْ يَرُوحُ وَيَغْدُو فِي مَطَالِبِهِ فَمَطْلَبٌ فَائِتٌ، لَوْ أَنْتَ نَائِلُهُ اَلْعُمْرُ يَذْهَبُ وَالْآمَالُ قَائِمَةٌ فَانْظُرْ لِعَزْمِكَ فِيمَا أَنْتَ شَاغِلُهُ



ثم يقارن الشاعر بين الجهل والإنسان الجاهل، وبين العلم وفضائله فيقول: تسعى أيها المرء لأمرٍ ما فمن الناس من يسعى إلى الجاه، ومنهم من يسعى إلى المنصب، أو المال، أو الشهرة جهلًا بمطالبهم هذه التي لا فائدة منها، بينما يتركون المطالب النافعة من علمٍ حسن، وعملٍ صالحٍ، وذلك لأنّ المال يزول، وكذلك ملذات النفس من جاهٍ، وشهرةٍ، ومالٍ، وذهبٍ، فجميعها زائلة، وملذات الدنيا زائلة ولا نفع منها، في حين لا تنفدُ ولا تفنى فوائد العلم وخيره، فالعلم أنبل وأشرف ما يكسبه الإنسان ويفخر به، في حين نجد الجهلَ عار، وشأم على صاحبه.


ثم يشبه الشاعر الجهل بشخصٍ يسبب الشأم والعار لصاحبه، فلو حصل صاحب الجهل على ملكٍ من المال، أو المنصب، أو الجاه، أو غير ذلك كان وضيعًا بين الناس لجهله، في حين أنّ صاحب العلم له رفعة، وهو فضي بين الناس حتى لو كان فقيرًا مقترًا؛ لأن الله عز وجل رفع أهل العلم على أهل الجهل، وقد تجد بين الناس مَن له هيئة حسنة المظهر لكنّ الناس يحتقرونه ويقللون من شأنه؛ لأنه إذا سُئِل عن شيءٍ كانَ جاهلًا ، بينما العلم أجمل شيء يزيّن الإنسان؛ كأنه ثوب حسن يرتديه صاحبه، وهنا يشبه الشاعر العلم بالثوب وجمال الصورة في التشبيه، فالعلم أفضل ما يتزين به المرء، وأفضل ما يتَحَمله.


ثم يستمر الشاعر في المقارنة بين ذل الجهل ورفعة العلم، فالجهل يُزري، ويُعيبُ المرء ولو كان عاقلًا وشريفًا، وصاحب نسب، في حين أنّ العلم يرفع من قيمة الإنسان وكأنما يرفع العلم البيت بلا عمدٍ، والمراد أنّ العلم يرفع من الإنسان ولو كان بلا حسبٍ ولا نسبٍ؛ إذ شبه الشاعر الحسب ورمز له بالبيت بالعمد، والإنسان بلا حسبٍ كالبيت بلا عمدٍ، ولكن بالعلم يرتفع هذا البيت بصاحبه. فيقول الشاعر ابن أبي زيد القيرواني واصفًا ذلك:[٢]


تَسْعَى لِأَمْرٍ وَلَمْ تُؤْمَرْ بِمَطْلَبِهِ جَهْلًا، وَتَتْرُكُ مَفْرُوضًا وَتُهْمِلُهُ اَلْمَالُ يَفْنَى وَلَذَّاتُ النُّفُوسِ مَعًا وَالْعِلْمُ يُعْقِبُ خَيْرًا لَا نَفَادَ لَهُ وَالْعِلْمُ أَشْرَفُ مَكْسُوبٍ فَخَرْتَ بَهِ وَالْجَهْلُ أَشْـ[ـأَ]مُ مَصْحُوبٍ تُوَاصِلُهُ لَوْ نَالَ ذُو الْجَهْلِ مُلْكًا كَانَ ذَا ضَعَةٍ وَذُو الْعُلُومِ مَعَ الْإِقْتَارِ يَفْضُلُهُ وَرُبَّ ذِي هَيْئَةٍ فِي النَّاسِ تَحْقِرُهُ إِنْ كَانَ يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ فَيَجْهَلُهُ وَالْعِلْمُ أَزْيَنُ ثَوْبٍ أَنْتَ لَابِسُهُ وَالْعِلْمُ أَفْضَلُ مَحْمُولٍ تَحَمَّلُهُ وَالْجَهْلُ يُزْرِي بِذِي لُبٍّ وَذِي حَسَبٍ وَالْعِلْمُ يَرْفَعُ بَيْتًا لَا عِمَادَ لَهُ



ثم يطلب الشاعر أنْ لا يحقرَ المرء من منزلة التعليم، فلا يترفع بنفسه عن طلب العلم؛ إذ لا ينال العلم مستكبرْ يترفع عن طلب العلم، ثم ينادي طالب العلم فيقول له: أبشر وافرح بعلمك، وفي طلب العلم وليكن تحقيق العلم ابتغاء وجه الله تعالى ورضاه، وسيوفقك الله لتحقيق هذا العلم، وتحقيق نفعه في الدنيا والآخرة، ولو كان ما تطلبه حرفًا، فافرح إن كنت تطلب العلم وترجوه من الله، والحديث الشريف يقول:(من سلك طريقًا يتلمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة)، وأما إنْ كنت تريد طلب هذا العلم، وتجمع العلم لأجل نفسك ورغبة في حظوظ الدنيا فتلك خيبة وخسران من الحظوظ الزائلة التي لا بقاء لها، فقد خاب وخسر من يطلب العلم للناس، وللدنيا، ولو كان مِمَن يجمع العلم أو كان عالمًا حاملًا للعلم، وقد يوجد من الناس من يطلب العلم ولكنه ليس صاحب رفعةٍ ووزنٍ؛ لأنه قد يخالف العلم لطلبه لغير وجه الله وابتغائه مرضاة الناس، فالعلم حجة على صاحبه.

فيقول الشاعر:[٢]


لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ التَّعْلِيمِ مَنْزِلَةً وَلَا تَكُنْ أنِفًا عَمَّنْ تُسَائِلُهُ يَا طَالِبَ الْعِلْمِ ! أَبْشِرْ فَي تَعَلُّمِهِ إِنْ كُنْتَ لِلَّهِ تَبْغِيهِ وَتَأْمُلُهُ قَدْ يَنْفَعُ الْعِلْمُ مَنْ لِلَّهِ يَطْلُبُهُ لَوْ كَانَ يَطْلُبُ حَرْفًا أَوْ يُحَاوِلُهُ وَخَابَ حَظُّ الَّذِي لِلْخَلْقِ يَطْلُبُهُ لَوْ كَانَ جَامِعَهُ أَوْ كَانَ حَامِلَهُ وَرُبَّ ذِي طَلَبٍ لِلْعِلْمِ لَيْسَ لَهُ وَزْنٌ، وَلَوْ كان فَلْسًا لَمْ يُعَادِلُهُ



وفي ختام القصيدة يحمد الشاعر الله تسليمًا، وإقرارًا بكل النعم التي أنعمها فهو وحده عزّ وجل من يستحق الحمد والشكر والعرفان، ثم يقول صاحب العلم الذي يرجو بعلمه رضا الله، وأن يوفقه الله، ويجزيه بعلمه، ويضاعف له الجزاء عدلًا، في حين ذاك الذي يطلب العلم لأجل الناس يُحرَم من توفيق الله كما يحرم من جزائه وفضله؛ فاطلب أيها المرء برغبةٍ، وإلحاحٍ بطلبك إلى الله وتضرع فأنت الفقير، وهو الغني صاحب الملك فلعله يعطي، ويمنح بما تسأله وما تطلبه فهو الوهاب الكريم. فيقول الشاعر:[٢]


وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِقْرَارًا بِنِعْمَتِهِ عَنْ كُلِّ نَعْمَائِهِ حَمْدًا يَحِقُّ لَهُ هَذَا يُوَفِّقُهُ عَدْلًا وَيُجْزِلُهُ وَذَاكَ يَحْرِمُهُ عَدْلًا وَيَخْذُلُهُ فَارْغَبْ ـ أُخَيَّ ! ـ إِلَى ذِي الْمُلْكِ مُفْتَقِرًا فَعَلَّهُ وَاهِبٌ مَا أَنْتَ سَائِلُهُ


المراجع

  1. جمع وتحقيق عمار سعيد خادم أحمد بن طوق المري (2018)، ديوان الإمام أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني (الطبعة 1)، الإمارات العربية المتحدة- دبي:جمعية دار البر، صفحة 13-14. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث جمع وتحقيق عمار سعيد خادم أحمد بن طوق المري (2018)، ديوان الإمام أبي محمدٍ عبدِ الله بنِ أبي زيد القَيْرواني (الطبعة 1)، الإمارات العربية - دبي:جمعية دار البر، صفحة 37-40.