قصيدة على جذع زيتونة

تعود قصيدة على جذع زيتونة للشاعر توفيق زيّاد، وهو توفيق أمين زيّاد، شاعرٌ فلسطيني، ولد في مدينة النّاصرة عام 1930م، وعمل منذ شبابه في السياسة، وانتظم في صفوف الحزب الشيوعي، وقام بتحرير صحافته، كما عُيّن رئيسًا لبلدية النّاصرة، وكان نائبًا في البرلمان عن الحزب الشيوعي، وتوفي سنة 1994م. مخلفًا وراءه عدة دواوين شعريّة وهي: ديوان أشدّ على أياديكم سنة 1966م، وديوان ادفنوا أمواتكم، وانهضوا سنة 1969م، وله في الدّراسات: الأدب الشعبي الفلسطيني، وكلمات مقاتلة، وغيرها.[١]

مناسبة القصيدة

القصيدة التي بين أيدينا من الأدب المقاوم الذي يتحدث عن الذات المقاومة، وصوت الحق ضد الباطل، وهي قصيدة من شعر التفعيلة الحرّ، تتحدث في عنوانها عن جذع شجرة الزّيتون، وهو رمز للأرض، وإجلال لهذه الأرض، والتمسُّك بها، وضرورة التّشبث بها، وحمايتها، والمحافظة عليها، كما هو رمزٌ للثبات، والصمود المتجذر والعميق، والذي يتجلّى بالوقوف ضد الاحتلال الذي اغتصب هذه الأرض، وارتكب ضدها، وضد أبنائها أبشع المجازر.


الفكرة العامّة للقصيدة

الوطن يستحق التضحية والفداء، كما تتحدث القصيدة عن ممارسات الاحتلال البشعة اتجاه أبناء فلسطين من أسرٍ، وقتلٍ، ومجازر.


الأفكار العامّة في القصيدة

  • الشّاعر المقاوم عرضةً للملاحقة، والتوقف، والمضايقات من قبل قوات الاحتلال.
  • الثبات والصمود من خلال الحفر على جذع زيتونة.
  • وفاء الشّاعر لكلّ معالم بلاده.
  • احتلال الوطن يدمي قلب الشّاعر.
  • ممارسات الاحتلال اتجاه أبناء فلسطين، والمجازر التي قام فيها.
  • خلود الوطن في الذاكرة.


شرح أبيات القصيدة

يستهل الشّاعر قصيدته بأنه مخلص لموطنه، وأبناء فلسطين، ولكنه عاجزٌ عن نسج الصوف وفي ذلك إحالة للمرأة التي كانت تنسج مِنَ الصّوف أسماءَ مَن خانوا الثورة الفرنسية عام 1789م بقصد مُعاقَبتهم بعد النّصر، وإنمّا سيتخذ من جذع زيتونة في داره ليحفر عليها، ولتظلّ ثابتة وصامدة على مرّ الزمن، فالشّاعر لا يأمّن على حياته فهو كأبناء فلسطين مُعرض للأسر، ومعرض لحواجز التوقيف والتفتيش، ويحتاج إلى شيءٍ آخر غير الصّوف ليحفظ عليه أسراره التي تتمثّل في حبّه وإخلاصه لوطنه وأبناء فلسطين، ويشير إلى أنه عاجز عن شراء الورق، وهو رمز لتضييق الاحتلال على أدباء المقاومة ومحاربتهم، فاختار الشّاعر جذع زيتونة؛ لأن الزيتون دليل على الثّبات والصّمود، وهي شجرةٌ معمّرة مباركةٌ، ومهما طال الزّمن فأسراره التي حفرها على جذع زيتونة ستبقى باقيةً صامدةً كهذا الجذع المتأصلة جذوره في ساحة داره، وهنا يرمز إلى جذوره الثابتة في أرض وطنه فلسطين، فيقول الشاعر توفيق زيّاد واصفًا ذلك:[٢]

لأنّي لا أحيكُ الصوف

لأنّي، كلَّ يومٍ، عُرْضةٌ لأوامرِ التّوقيف

وبيتي عُرضةٌ لزيارةِ البوليس

للتّفتيش، والتّنظيف

لأنّي عاجزٌ أنْ أشتري ورقًا

سأحفرُ كلَّ ما ألقى

وأحفرُ كلَّ أسراري

على زيتونةٍ

في ساحة الدارِ


ثمّ يبدأ الشّاعر توفيق زيّاد بحفر الأسرار، ويقصد الأحداث التي كابدتها أرض فلسطين من سلبٍ، واقتلاعٍ للأراضي، ثم يحفر موقع قريته وحدودها، وبيوت الأهل، والجيران التي دمّرتها قوات الاحتلال الغاشم، ويصوّر ممارسات الاحتلال من سرقة أراضي، ونهب، وتدمير للبيوت، واقتلاعٍ للأشجار، وكل الأزهار البريّة البريئة التي سحقتها أقدام الصّهاينة المحتلّين، وفي كل ذلك يريد الشاعر أن يصوّر قسوة ممارسات الاحتلال اتجاه فلسطين، وأرضها الجميلة.

ثمّ سيحفر على جذع الزيتونة أسماء السجون، وهنا يريد أن يشير إلى مظاهر تعذيب الأسرى في سجون الاحتلال، ومنها الشتائم التي كان يسمعها، والتي كانت تنهال على الرؤوس صبًّا كالماء، وهنا يشبه الشاعر الشتيمة كما يسكب الماء على الرأس، ويصور لنا مظاهر التعذيب ببراعةٍ، وإتقانٍ، إضافةً إلى تصوير الكلبشات، وهي القيود المُحكمة على كفّهِ، وهنا يشير حقيقةً إلى القيود المادية والمعنوية المتمثلة بمضايقات الاحتلال وتضييقه على أدباء المقاومة ليصل به الحد إلى اعتقال الأدباء أو حتى اغتيالهم، إضافةً إلى امتلاء الدوسيهات، وهي الملفات بأسماء المعتقلين، وذويهم، والتّهم الملفّقة إليهم. يقول الشاعر:[٢]

سأحفرُ رقمَ كلّ قسيمةٍ

من أرضنا سُلَبت

وموقعُ قريتي، وحُدودِها،

وبيوت أهليها الّتي نُسِفَت

وأشجاري الّتي اقتلعت

وكلُّ زُهيرةٍ بريةٍ سُِحقت


وأسماءَ السّجون

ونوعَ كلِّ (كلبشةٍ)

شُدَّتْ على كفّي

و(دوسيهاتِ) حُراسي

وكلّ شتيمةٍ

صُبّت على رأسي


ثمّ يتابع الشّاعر ويستمر في عدِّ الأشياء التي سيحفرها على جذع زيتونة في ساحة داره، فيحفر أسماء المذابح والمجازر في كفر قاسم، ودير ياسين التي لا تنسى، وهي خالدة متجذرة ذكراها، وكأنها شروش وجذور مزروعة في الذاكرة، وسيسجل هذه المذابح، والمجازر المؤلمة التي قام بها الاحتلال، والتي بلغت أوجَ، وقمةَ المأساة التي نهشت بالشعب الفلسطسني، ولاكت، وعلكت، ومضغت هذا الشعب رغم مقاومته الأبيّة، وهنا يشبه الشّاعر قسوة المأساة على الشعب بحيث مضغته ولاكته كما يُمضغ الطعام، فوصلوا إلى قمة المأساة، وما زالوا يذكرونها، ويصور المأساة بجبل له قمة عالية، وسر الجمال التجسيد.


سيحفر الشّاعر على جذع زيتونة ثابتًا في قوله، وحديثه عن ظلم الاحتلال، وقهره وقسوة ممارساته، وسيبقى يحفر ويذكر، ويتذكر كل المأساة وتفاصيلها؛ إذ شبه المأساة بالكتاب الذي له فصول، وأبواب تحكي ما بداخله، وكذلك سيحفر على جذع الزيتونة تفاصيل النكبة، وتفاصيل المأساة؛ لأنه لا يريد أن ينسى هذه التفاصيل صغيرها وكبيرها، ويريد أن تبقى ثابتةً متجذرةً كما هو جذع الزيتون الذي في ساحة داره، فله جذور في الأرض، شامخ واقف في وجه التحديات، ولا يريد الشاعر أن ينسى هذه التفاصيل المأساوية من بدايتها إلى نهايتها، فهي باقية وحاضرة في القلب والذّاكرة، وستبقى محفورةً في النّفوس لأجل أن تكون دافعًا للدفاع عن الأرض والتّمسك بها، والصّمود والمقاومة، كصمود جذع الزّيتون في هذه الأرض. فيقول الشاعر:[٣]

وأحفرُ:

كفرَ قاسم لستُ أنساها.

وأحفرُ:

دير ياسينٍ تُشَرِّشُ فيّ ذكراها.

وأحفرُ:

قد وصلْنا قمَّةَ المأسَاةِ

لاكَتْنا ولُكْنَاها،

ولكنّا... وصلناها!


لكي أذْكُرَ، وكي تَذْكُر

سأبقى قائمًا أحفِر

جميعَ فُصُول مأساتي

وكلَّ مراحلِ النَّكبةْ

من الحبّة

إلى القبّةْ

على زيتونةٍ

في ساحة الدارِ


العاطفة في القصيدة

عاطفة وطنية، تتجلى في الحديث عن حبّ الوطن المحفور في نفس الشاعر، والمتجذّرة في قلبه، وتتجلى حزنًا في الحديث عن مأساة الوطن الجريح المحفورة في الذاكرة، وفيها مشاعر الأمل من خلال الرمز إلى الصمود بجذع الزيتون الأخضر المبارك.

المراجع

  1. إميل يعقوب (2004)، معجم الشعراء منذ عصر النهضة الجزء الأول (الطبعة 1)، بيروت:صادر، صفحة 242، جزء 1. بتصرّف.
  2. ^ أ ب عبد الخالق عيسى وسميح الأعرج وربيع فشافشة و عبد الحكيم أبو جاموس ومحمود قرمان ووصال حنيني (2020)، اللغة العربية الصّف الثامن دولة فلسطين (الطبعة 3)، دولة فلسطين:وزارة التربية والتعليم مركز المناهج، صفحة 22، جزء 1. بتصرّف.
  3. عبد الخالق عيسى وسميح الأعرج وربيع فشافشة و عبد الحكيم أبو جاموس ومحمود قرمان ووصال حنيني (2020)، اللغة العربية الصف الثامن دولة فلسطين (الطبعة 3)، دولة فلسطين:مركز المناهج، صفحة 23، جزء 1.