الشِّعرُ في العصرِ الحديثِ

في أواخر النّصفِ الأوّل منَ القرنِ العشرين ظهر مفهومٌ جديدٌ للشّعر، يتمثَّلُ بالخروجِ عن الإطارِ العامّ للشّعر التَّقليديّ (الإتباعيّ)؛ حيثُ أصبح فيه الشِّعرُ بعيدًا عن الغناءِ، والحداءِ، والهجاءِ، وأصبحَ معنيًّا بتوجيهِ الجموعِ، كما زهد الشّعر العربيُّ الحديثُ في موضوعاته عن الفخر الشّخصيّ؛ فقد أظهر اهتمامًا بالغًا بالشُّعور القوميّ، والإحساس بالشّعوب. ومن الجديرِ بالذّكر أنّ الشّعر العربيّ الحديث خرجَ عن سلطان القافية الموحّدة، وأصبح الخيال فيه عنصرًا أساسيًّا.[١]


أبرز شعراءُ العصرِ الحديث


أحمد شوقي

شاعر الأمّة العربيَّة والإسلاميَّة، لُقّبَ بأمير الشُّعراء، وُلد عام 1868، وتوفّي عام 1932، وقد جمع شعره، ومسرحيَّاته في عشرة مجلَّدات. ويُعتبرُ شعره سجلًّا لتاريخ الأمم، بما يمثّله من تاريخ الأمم والصّراعات الّتي شهدتها، كما يُعتبرُ شعرهُ سجلًّا للحراك السّياسيّ؛ فقد عاصر الحكم العثماني، وكان مواليًا له، وأبدى تأثرًا واضحًا عند سقوط الدّولة العثمانيّة، فهجا (أتترك) الّذي كان سببًا في إسقاطها، وسلب الأتراك مكانةً عظيمةً. وقد امتاز شعره بعدَّة خصائص، منها:[٢]

  • أوّلًا: شعره معاصرٌ لقضايا التَّطوُّر الحديث، فقد شهد الاستعمار والحروب، وبناء الجامعات، والثّورات ضدّ المستعمرين، فاستحقّ أن يكون لسان الأمم العربيّة والإسلاميّة.
  • ثانيًا: يزخر شعره بالبلاغة العربيَّة وبيانها، وتتألّق فيه الصّور الشّعريّة.
  • ثالثًا: يمتاز شعره بالحماسة الوطنيّة، فهو يمثّل الاتّجاهات الإسلاميّة، والوطنيّة، والفرعونيّة.
  • رابعًا: يُعدّ أحمد شوقي شاعرَ القصّ العربيّ والمسرحيّات الشّعريّة، فهو منسّق ألوانها ومبدعها، وقد ألّفت عنه كثير من الكتب، وألّفت حوله الأبحاث، والرّسائل الجامعيّة. يقول في إحدى أشعاره:[٢]


يا قــوم عثمـــانَ والدُّنيـــا مــداولــة تعــــاونوا بينـــكم يــا قـــوم عثمــان كونــوا الجــدار الّذي يقــوي الجدا فالله قـــد جعــــل الإســـلامَ بنـيــــــانا هــل ترحمـــون لعــلّ الله يرحمــكم بالبيـــدِ أهـــلًا وبالصّــحراء جيرانـــا



حافظ إبراهيم

شاعر مصريّ، وُلد في قرية (ذهبيّة) في مصر، عام 1872 وتوفّي عام 1934. انتقل إلى كفالة خاله بعد أن توفّي أبوه، وهو في الرّابعة من عمره. والتحق بالمدرسة العسكريّة، وذهب إلى السّودان، ثمّ رجع إلى مصر. نظم في الشّعر الاجتماعيّ، وناهض الاستعمار، ووظّفه الإنجليز في دار الكتب. وفي عام 1932 أحيل إلى التّقاعد وفيها مات. ترك ديوانًا شعريًّا جيّدًا، واشتهر بقصيدته (العمريّة)، وقصيدة (على لسان العربيّة). ناصر محمّد عبده، وقاسم أمين، وأنشد شعر صديقه أحمد شوقي في المحافل.[٢]

قال في إحدى قصائده مصوّرًا الحرب مع إيطاليا في ليبيا:[٢]


كبّلوهــــم قتّـلوهـــــم مثّــلـــــوا بذوات الخـــدرِ طاحــــوا باليتامــــى أحــرقوا الدّورَ واستحلّوا كلّ ما حرم (لاهاي) في العـهــد احترامـــا



إبراهيم عبد القادر المازنيّ

شاعرٌ وأديبٌ وكاتبٌ مصريّ، وُلد عام 1890 في التّاسع عشر من أغسطس، وتوفّي في العاشر من أغسطس، عام 1949. عُرف بشعره الّذي يصوّر فيه أحزانه وهمومه، فقد نشأ يتيمًا، وربّته أمّه. اشتُهر بقدرته الفائقة على التّرجمة، وبأسلوبه الساخر في النّقد. له دورٌ كبيرٌ في الأدب، وقد قال فيه طه حسين: "تجاوزتْ آثاره قطرَ مصرَ"، وقال عنه العقّاد: "كان المازني منذ نشأته أخلص الأدباء للشّعر والكتابة"، له ديوان شعر، ومن أبرز كتبه:[٢]

  • شعر حافظ، الّذي هجم فيه على مدرسة المحافظين.
  • الشّعر غاياته ووسائطه.
  • قصص إبراهيم الكاتب.
  • إبراهيم الثّاني.
  • عودٌ على بدء.
  • ثلاثة رجال وامرأة.
  • قبض الرّيح.
  • صندوق الدّنيا.
  • خيوط العنكبوت.
  • حصاد الهشيم.
  • في الطّريق.
  • رحلة الحجاز.

وقال في إحدى قصائده: [٢]


وما نظمـــيَ الأشعــارَ إلَّا علالـــةً لوَ أنَّ سُلُّـــوا بالقريــــضِ يكــونُ وما هــــيَ إلّا برهـــــــة ثمّ ينثنـي يكــرُّ مضــيضٌ في الحشا وحنين فصبـــرًا طويـــلًا إنّــما هي رقـدةٌ وتذهـلـــنــي عمّـــا لقيْـــتُ منــون



عبد الرّحمن شكري

شاعر مصريّ، وُلد في الثاني عشر من أكتوبر 1886، وتوفّي في الخامس عشر من ديسمبر عام 1958، نشأ في بورسعيد، وانتقل إلى الإسكندريّة. وأصيب بالشلل النّصفيّ عام 1952، وهو من أوائل من دعا إلى التّجديد والشّعر المرسل، وتعدّد صور القوافي، وتجديد البحور الشّعريّة، والقصّة العاطفيّة. لم يحفل بشعر المناسبات، ومهّد للشّعر الحديث في مصر، ومال إلى المذهب النّفسيّ. وقال عنه العقّاد: "إنّ شعر شكري لا ينحدرُ انحدارَ السّيل في صخب، لكن ينسكب انسكاب البحر في هدوئه وسكونه". من أبرز دواوينه الشّعريّة:[٢]

  • ضوء الفجر.
  • أناشيد الصّبا.
  • زهر الرّبيع.
  • خطرات.
  • أزهار الخريف.

وله كتبٌ منها:

  • الحلّاق والمجنون.
  • حديث إبليس.
  • التّراث.
  • الاعترافات.


يقول عبد الرّحمن شكري في المازني بعد الإصلاح بينهما:[٢]


حيران حيران لا نجــمَ السّمـــاء ولا معــالــم الأرض في الغمــــاء تهــديــــني حنــوتُ على الـــودّ الّــذي كان بيننا وإنْ صــدَّ عــنَّــا مــا جـنيْــنــا عـلـى الودّ فيــا طيبَ ذكــراه ويا بعــدَ عهـــــده وأيــنَ قــديــــمَ الـــودِّ مـــنْ حــاضرِ الصَّدِّ



خصائص الشّعر الحديث

للشِّعر الحديث خصائص تميّزه، منها:[١]

  • أوَّلًا: وحدة الموضوع، ثمّ وحدة الدّيوان، وتحرُّر الشّعر الحديث من سلطان القافية الموحّدة.
  • ثانيًا: شيوع عنصر الخيال في الشّعر الحديث، والصّوفيّة في الغزل.
  • ثالثًا: شيوع السّخرية وأسبابها.
  • رابعًا: شيوع الأسئلة الّتي تستدعي التّأمّل في سرّ الوجود، مثل: ما الإنسان؟ ما كنهه؟ وما سرّ وجوده؟.
  • خامسًا: شيوع الرّمزيّة في الشّعر العربيّ الحديث، الّتي خلا الأدب القديم منها. وشيوع السّرياليّة، وهي الأشدّ رمزيّةً وغموضًا.
  • سادسًا: غزو العامّيّة الشّعبيّة في الشّعر الحديث.
  • سابعًا: ظهور الشّاعرات إلى جانب الشّعراء، وهذا ما لم يكن موجودًا في الشّعر القديم.


نموذج من الشِّعرِ في العصرِ الحديث

قال العقّاد في إحدى قصائده:[٣]


لبــيـك يـا بـحــــــر مـن داع نـطـوف بـه ظـمـأى فـنـروَى ولم تـعـذب مـسـاقـيـــه


ولا انــطــوي كـل صـاف مـن مـسـاربـه عـــلى عـــرائس تـــســـبــي لب رائيــه


والبـحـر حـي ولولا ذاك مـا انطلقـــــت فــيــنـا الحـيـاة إذا عـجـت أواذيـــــــــه يـعـطـي النـفـوس يـرويـهـا ويـنـعشهــــا فـــإنـّــمــا هــي ذخــر مــن غــواليــــه لبــيــك يـا بـحـر مـن وهـاب أعـطـيـــــة الدرُّ أبــخــسُ مــا تــهــدي أيــاديـــــــه فــلا تــقــس بُــعـدَه بـالشـبـر إن لـــــــــه بُــعــداً يــقــاس بـصـرف مـن غـواشـيـه وكــم قــريــب نــنــاديــه ونــســمـعـــــه أقـصـى الكـواكـب أدنـى مـن أدانـيـــــــه ومــطــمــحٍ دون قـيـد الشـبـر هـمَّ بـــــه فــصــدّه المــوج قـسـراً عـن أمـانـيــــــه وكــم تــمـنـى بـه الخـيـرات مـعـجـلـــــة فـكـان عـادي المـنـايـا فـي تـمـنـيــــــــــه والمــرء يــســبـح فـيـه مـنـذ مـولــــــــده ســبــحــا يــقــرّبــه مــمــا يـحـاشـيــــــه يـا بـحــــر أذكـرتني بحــر الحيــاة ومــا يــجــيــش مــا بــيـن مـاضـيـه وآتـيـــــه فـلا عـظـيـم عـلى الأقـوام تـعـصـمــــــه تــيــجـانـه مـن قـضـاء أنـت تـقـضـيــــــه وعــنــد شــطــك شـرع النـاس مـنـقـطـع وفــوق مــتــنــك شــرع الله تــجـريــــــــه وفــيــك يـا بـحـر عـدل المـوت مـطَّـــردٌ لكـــنّ عـــدلك عـــدل غـــيــر مــكـــــروه وأنــت تــكــبــرنـا طـوراً وتـصـغـرنــــا مـن يـكـبـر العـيـش يصغر من دواعيــــــه وتــســتــعــيــد إذا جــاءتــك عـاريـــــــة عــطــلا أُحِــبُّ مــن الأعــلاق عـاريـــــــه تـنـضـو الحـيـاة عـلى شطيك ما لبســــت فـي سـاحـة العـيـش مـن غـشّ وتـمـويـــــه يـا أشـبـه الخـلق بـالمـولى وقدرتـــــــــه لولا جــلالتــه عــن كــل تــشــبــيـــــــــــه عـرائس الحـسـن تـنـشـيـهـا وتـرسـلـــها فــيــه قــرائح يــحـيـيـهـا وتـحـيـيــــــــــــه لم تـخـلق النـَّفـس فـي أمـواهه عبثـــــــا تلك الحســــــان ولا الأغـــــوال في التيـــه


المراجع

  1. ^ أ ب نعمات أحمد فؤاد، خصائص الشّعر الحديث، صفحة 8. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث ج ح خ د مسعد بن عيد العطوي، الشعر العربي الحديث، صفحة 47-61. بتصرّف.
  3. عبّاس محمود العقّاد، ديوان العقّاد، صفحة 25-26.