نشأت المقامات وفنها الجميل في أواخر العصر العباسي، وهي عبارة عن قطعة فنية تنتمي للأدب العربي، تجمع فيها قصص مليئة بشوارد اللغة، ونوادر التركيب بأسلوب السجع، وبذلك فقد اهتم واضعو المقامات بتحسين اللفظ وتزيينه، وقد ابتدع هذا الفن الجميل بديع الزمان الهمذاني، وسار على نهجه الحريري، وابن فارس، من ثم ظهرت المقامات السرقسطية لابن الاشتركوني، ومقامات الزمخشري، من ثم مقامات أحمد بن الأعظم الرازي، ومقامات الزينية لزين الدين بن صيقل الجزري، علاوةً على مقامات السيوطي، وآخرها مقامات ناصيف اليازجي مجمع البحرين.[١]


مؤلف مقامات بديع الزمان

هو بديع الزمان "معجزة همذان"، "مبتدع فن المقامات"، وهو أحمد بن الحسين، المكنى أبو الفضل والملقب بديع الزمان، ولد في همذان، لذلك يقال بديع الزمان الهمذاني، نسبةً إلى مسقط رأسه[٢]، وهو صاحب المقامات الفائقة، والرسائل الرائقة، والقصائد المؤنّقة، كما وصفه الإمام العلّامة محمد عبده في كتابه عن مقاماته[٣].


نشأة بديع الزمان

ولد الهمذاني[٣] في همذان، وهي بلدة تابعة لإيران، عام 967م الموافق 358 هجري، وهو عربي النسب[٤]، بقي في همذان حتى الثانية والعشرون من عمره، من ثم شد الرحال إلى مدينة الري عام 380 هجريًا، من ثم إلى جرجان، وبعدها إلى نيسابور، وهي إحدى مدن إقليم خراسان، والتي كان أعلم أهلها أبو بكر الخوارزمي، فناظره بديع الزمان وهزمه، فذاع صيته في المدينة شاعرًا وناثرًا، ومن هناك كانت انطلاقته[٥].


تعليم بديع الزمان

تلقى تعليمه على يد العالم اللغوي أبي الحسين أحمد بن فارس الرازي؛ إذ كان أستاذ عصره في اللغة، وأخذ علمه أيضًا عن الإخباري عيسى بن هشام، الذي يُعد بطل مقامات الهمذاني[٤]، وقد ارتحل من بلاط وزيرٍ إلى آخر بعدة مدنٍ، حتى عُرِف وذاع صيته، وكانت أول مقامةٍ له هي "النيسابورية" نسبةً إلى مدينة نيسابور، وهي مسراه الأول في ذلك، وآخر مستقرٍ له كان في مدينة هرات (أفغانستان)[٦].


أسلوب بديع الزمان

غلب على أسلوب الهمذاني استخدام فن النثر المليء بالسجع، والبديع، والتكلف، وأكثر من التشابيه والاستعارات أيضًا رغم واقعيته، فهو لا يتفلسف، ولا يفكر فيما وراء الطبيعة، كما أنه اعتمد الأسلوب القصصي في مقاماته والحوار، ومما أثرى ذلك ثراءه اللغوي، وغزارة ألفاظه[٧].


منهج بديع الزمان في رسائله

كان بديع الزمان في رسائله هائجًا صائلًا، يسب ويشتم في ذلك، بينما نراه عند من عنده مال يبالغ في مدحه، فيغرق في الاستعارات، والتشابيه، والكنايات، والمحسنات اللفظية والرمزية، لذلك جاز القول بأنه في رسائله متصنع، يغيّر فيها على قديم المحدثين من مثل أبي الطيب، فيقول في رسالته إلى سهل بن محمد بن سليمان: "لو تعمد فيّ الردى، لصرت إليه مشرق الوجه راضيًا، وألوفًا لو رددت إلى الصبا، لفارقت شيبي موجع القلب باكيًا"، وبهذا يتجلى منهجه المتصنع في رسائله[٨].


منهج بديع الزمان في مقاماته

إن المنهج الذي اتبعه الهمذاني في مقاماته هو من صنعه وخطّ إنتاجه، وهو من ألبسها هذا الطراز الموشى[٩]، والمعنى اللغوي للمقامة هو مجلس القبيلة، أما اصطلاحًا فهي وقوف شخصٍ ما أمام جماعةٍ يعظهم أو يعلمهم، وهذا هو حال الهمذاني في مقاماته، فيقول أحدهم رادًا على ابن هاشم، حين سؤاله عن أبو الفتح الإسكندري في وقوفه يعظ الناس: "هذا غريب قد طرأ لا أعرف شخصه، فاصبر عليه إلى آخر مقامته"، وقد يشير المعنى الاصطلاحي أيضًا إلى أنها حكايات قصيرة مقرونة بنكتةٍ أدبية، أو لغوية كما قال أنيس المقدسي عنها، ومع تعدد المعاني، والتراجم للمقامات أكد ذلك منهجها، وشموليتها على خيطٍ، وحبكةٍ درامية فيها، ففيها الشخصية، والحدث، والحبكة، علاوةً على الزمان والمكان، وضرورة وجود نهايةٍ لها أيضًا[١٠].


مقامات بديع الزمان

لبديع الزمان مجموعة من المقامات:[١١]

  • المقامة القريضية.
  • المقامة الأزاذية.
  • المقامة البلخية.
  • المقامة السجستانية.
  • المقامة الكوفية.
  • المقامة الأسدية.
  • المقامة الغيلانية.
  • المقامة الأذربيجانية.
  • المقامة الجرجانية.
  • المقامة الأصفهانية.
  • المقامة الأهوازية.
  • المقامة البغدادية.
  • المقامة البصرية.
  • المقامة الفزارية.
  • المقامة الجاحظية.
  • المقامة المكفوفية.
  • المقامة البخارية.
  • المقامة القزوينية.
  • المقامة الساسانية.
  • المقامة القردية.
  • المقامة الموصلية.
  • المقامة المضيرية.
  • المقامة الحرزية.
  • المقامة المارستانية.
  • المقامة المجاعية.
  • المقامة الوعظية.
  • المقامة الأسودية.
  • المقامة العراقية.
  • المقامة الحمدانية.
  • المقامة الرصافية.
  • المقامة المغزلية.
  • المقامة الشيرازية.
  • المقامة الحلوانية.
  • المقامة النهيدية.
  • المقامة الإبليسية.
  • المقامة الأرمنية.
  • المقامة الناجمية.
  • المقامة الخلفية.
  • المقامة النيسابورية.
  • المقامة العلمية.
  • المقامة الضيمرية.
  • المقامة الدينارية.
  • المقامة الشعرية.
  • المقامة الملوكية.
  • المقامة الصفرية.
  • المقامة السارية.
  • المقامة التميمية.
  • المقامة الخمرية.
  • المقامة المطلبية.
  • المقامة البشرية.


أوصاف بديع الزمان

وُصف الهمذاني في شخصيته وأخلاقه العديد من الصفات، فقد أشار مترجمو حياته بأنه سليط اللسان إلى حدّ البذاءة، لدرجة أنه لم يسلم أحد من لسانه، وهو يقول عن ذلك: "من لقينا بأنفٍ طويل، قابلناه بخرطوم الفيل"، وقد وُصف أيضًا بالحسد والغيرة، فكان محبًا للشهرة والظهور، وهو لا يتورّع في ذلك عن ذكر العورات، والسوءات في مقاماته، وهو متقلب الرأي، وانتهازي، ومما يشهد على ذلك قوله نفسه[١٢]:


ويحك هذا الزمان زور فلا يغرنك الغرور لا تلتزم حالة ولكن در بالليالي كما تدور



وقد وصف بالبخل والكبرياء؛ فبلغ بهما حد التعجرف والطغيان[١٣]، أما في وصف خلقته؛ فيصفه ابن دوست ويقول: "وكان أبو الفضل وضي الطلعة، وضي العشرة، فنان المشاهدة، سحار المفاتحة، غاية في الظرف، آية في اللطف، معشوق الشيمة مرزوقًا فضل القيمة"، ويقول صاحب اليتيمة (الثعالبي) في ذلك أيضًا بأنه كان مقبول الصورة، أما في وصفه هو نفسه فيقول[١٤]:


خلقت كما ترى صعب الثقاف أرد يد المعاني في الخلاف ولي جسد كواحدة المثاني له كبد كفالة الأثاقي هلم إلى نحيف الجسم مني لتنظر كيف آثار النحاف



وفاة بديع الزمان

توفي بديع الزمان في مدينة هرات عام 398 هجري، وذلك قبل بلوغه الأربعين من عمره بشكلٍ غامض، وقد قيل أنه مات بالسم، أو بسكتةٍ قلبية، وقد دفن حيًا جرّاء هذا الغموض ظنًا أنه ميت، ولكن قد سُمِع صوته في الليل فنبشوا قبره؛ ليجدوه قابضًا على لحيته من هول القبر، وهو متزوج من ابنة وجيهٍ يدعى الخشنامي هناك، وله منها الأولاد، كما أن له في المدينة ضياعًا كثيرة[١٥].

المراجع

  1. الحريري، مقامات الحريري، صفحة 5-7. بتصرّف.
  2. مارون عبود، بديع الزمان الهمذاني، صفحة 19. بتصرّف.
  3. ^ أ ب الشيخ محمد عبده، مقامات بديع الزمان الهمذاني، صفحة 3. بتصرّف.
  4. ^ أ ب صدام حسين محمود عمر، مقامات بديع الزمان الهمذاني بين الصنعة والتصنيع، صفحة 7. بتصرّف.
  5. صدام حسين محمود عمر، مقامات بديع الزمان الهمذاني بين الصنعة والتصنيع، صفحة 9. بتصرّف.
  6. صدام حسين عمر محمود، مقامات بديع الزمان الهمذاني بين الصنعة والتصنيع، صفحة 9-10. بتصرّف.
  7. صدام حسين محمود عمر، مقامات بديع الزمان الهمذاني بين الصنعة والتصنيع، صفحة 59 57-56. بتصرّف.
  8. مارون عبود، بديع الزمان الهمذاني، صفحة 32-33. بتصرّف.
  9. مارون عبود، بديع الزمان الهمذاني، صفحة 35. بتصرّف.
  10. صدام حسين محمود عمر، مقامات بديع الزمان الهمذاني بين الصنعة والتصنيع، صفحة 38-43. بتصرّف.
  11. الشيخ محمد عبده، مقامات بديع الزمان الهمذاني، صفحة 291-293. بتصرّف.
  12. صدام حسين محمود عمر، مقامات بديع الزمان الهمذاني بين الصنعة والتصنيع، صفحة 11-12. بتصرّف.
  13. مارون عبود، بديع الزمان الهمذاني، صفحة 28. بتصرّف.
  14. مارون عبود، بديع الزمان الهمذاني، صفحة 24-25. بتصرّف.
  15. صدام حسين محمود، مقامات بديع الزمان الهمذاني بين الصنعة والتصنيع، صفحة 10. بتصرّف.