حاز الشعر في العصر الجاهلي على مكانة رفيعة، واتّصف بالقوّة والقدرة على التأثير في النفوس، وسُجّلت فيه البطولات والمفاخر والأمجاد، حتى أصبح الشاعر في ذلك العصر السّجل الناقل لطبيعة الحياة الجاهلية، كما أصبح لسان قبيلته، حتى بلغ بين الناس مبلغًا رفيعًا، وبالرغم من ذلك أشار بعض الدارسين والنقاد إلى أنّ الشعر الجاهلي قد ضَعُف واتصف بالركود بعد مجيء الإسلام تحديدًا، وفي هذا المقال توضيح وتفصيل لذلك، مع بيان تأثر الشعراء المخضرمين بالإسلام، الأمر الذي انعكس على شعرهم .[١]


لماذا أصيب الشعر الجاهلي بالركود؟

تُشير بعض الأقوال والآراء لعدد من الدارسين إلى أنّ الضعف الذي أصاب الشعر الجاهلي تزامن مع مجيء الإسلام، فاختلفت فيها التقاليد الفنية عن تلك التي كانت مستخدمة في العصر الجاهلي، إلى جانب اختلاف موضوعاته وأغراضه، الأمر الذي أدّى إلى ركود الشعر الجاهلي واختلاف مبناه الخاصّ الذي كان معروفًا به قبل مجيء الإسلام، بالتالي ضعفه.[٢]


ومن الأسباب التي دفعت بعض الدارسين إلى القول بضعف الشعر أنّ الإسلام كان حدثًا مهمًّا شغل عقول الناس بقضايا واتجاهات جديدة لم تكن مطروحة من قبل في العصر الجاهلي ولم يكن العربي آنذاك مُعتادًا عليها، فكانت مادّة الإسلام وأفكاره هي البنية الجديدة التي سيبني عليها الشاعر قصيدته، ومنه يستقي القضايا التي سيطرحها في شعره.[٢]


وفي الجانب الآخر ظهر فريق من الدارسين نفى القول بضعف الشعر الجاهلي وركوده، إنّما ما حدث هو تحوّل في طبيعة بعض موضوعاته وقضاياه دون ضعف الحالة الفنية والبناء العام للقصيدة، إلى جانب إضافة المضامين التي توافق تعاليم الإسلام والتخلّي عمّا يُنافيها، وأصبح الشعر متأثرًا بالأحداث التي رافقت الدعوة الإسلامية.[٢]


تأثر الشعراء المخضرمين بالإسلام

دخل عدد من الشعراء الذين عُرِفُوا في الجاهلية في الإسلام، ونتيجة لذلك واكبوا في شعرهم قضايا الإسلام وأفكاره وتأثروا بألفاظه ومعانيه، ومضوا يدافعون عنه وعن قيمه التي آمنوا بها ولامست قلوبهم، ووقفوا مع النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- يدافعون عنه وعن دعوته، ومن أشهرهم شاعر الرسول حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وغيرهما من الشعراء الذين لم يبرزوا كثيرًا في العصر الجاهلي، فكان أثر الإسلام واضحًا في أشعار هؤلاء، وبقي شعرهم محافظًا على مكانته وقوّته وجزالته لكن اختلفت موضوعاته وقضاياه،[٣] ومن الأبيات الشعرية لحسان بن ثابت في مدح النبي -صلى الله عليه وسلم-:[٤]


وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ خُلِقتَ مُبَرَّءً مِن كُلِّ عَيبٍ كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ



ويقول في دفاعه عن النبي -صلى الله عنها وسلم-:[٤]


هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولستَ له بكُفءٍ فشرّكُما لخيركما الفداء هجوتَ مباركًا برًّا حنيفًا أمين الله شيمته الوفاء فإنّ أبي ووالده وعِرضي لعِرض محمد منكم وقاء



المراجع

  1. عبد الله الزهراني، دعوى ضعف الشعر في عصر صدر الإسلام، صفحة 8. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت عبدالله الزهراني، دعوى ضعف الشعر في عصر صدر الإسلام، صفحة 79-83. بتصرّف.
  3. شوقي ضيف، العصر الإسلامي، صفحة 68. بتصرّف.
  4. ^ أ ب حسان بن ثابت، ديوان حسان بن ثابت، صفحة 21. بتصرّف.