لم يبرع أحدٌ في فنون الشعر كما برع العرب، وقد اتّسعت أغراض الشعر وتعدّدت، لتشمل كلّ ما يجول في النفس من شعور؛ فنجد الحبّ، والبغض، والغزل، والمدح، والذمّ، والحزن، والفخر، والرثاء، وغير ذلك. وتفوّق شعراء العرب أيّما تفوّق، وتميَّز بعضُهم أكثر من غيرهم في إبراز فنون الشعر، ومن هذه الفنون فنّ النقائض، الذي سنتناوله بالتفصيل في هذا المقال.


ما هو شعر النقائض؟

قبل التعريف بشعر النقائض، لا بُدّ من توضيح مصطلح (النقائض):[١]

فالنقائض هي جمع نقيضة، وهي مأخوذة من نقض البناء عند هدمِه والحبل عند حلّه، وهو ضدّ الإبرام؛ كإبرام البناء أو الحبل أو العهد، والمناقضة في الشيء تعني مخالفته، والماقضة في القول تعني التكلّم بما يتناقض معناه، والمناقضة في الشعر نقض الشاعر الثاني ما قاله الشاعر الأول حتى يأتي بغير ما قال، ومن الجدير بالذكر أنّ المناقضة قد لا تقتصر على شاعرَيْن فحسب، بل يمكن أن يشترك فيها ثلاثة شُعراء.


إذن، لدينا مستويان لهذا المعنى اللغوي: أحدهما حِسّيّ؛ كنقض البناء أو الحبل بعد عقده، والآخَر معنويّ؛ كنقض العهد، ونقض الميثاق، ونقض القول بالإتيان بما يخالفه ويغايره، وهو الذي يوصلنا إلى شعر النقائض أو فنّ المناقضة بين الشعراء. أمّا بالنسبة للمعنى الاصطلاحيّ، فهي توضّح ما جاء به الشُعراء منذ الجاهلية حين يقوم شاعر بتوجيه قصيدة إلى شاعر آخَر هاجِيًا أو مُفتخِرًا، فيردّ عليه الآخَر هاجيًا أو مفتخرًا، مع الالتزام بذات البحر، والقافية، والروي الذي تبعها الشاعر الأوّل، فيكون هناك وِحدة بين هذه العناصر الثلاثة.


فنون فن النقائض

فهناك فنون رئيسيّة وأخرى فرعيّة، نلخّصها هنا مع مثال على كلّ واحدة:[١]


الفنون الرئيسيّة لفنّ النقائض

  • الفخر، كأشعار ابن ميّادة وعِقال بن هاشم.
  • الهجاء، كأشعار جرير والأخطل.
  • الحماسة، وهي متّصلة بالفخر، والهجاء، والحروب، كأشعار الفرزدق وجرير.


الفنون الفرعيّة لفنّ النقائض

  • الرثاء، مثل رثاء جرير لزوجته خالدة.
  • النسيب (يزيد بن الطثرية وفُدَيْك الجَرْمى).
  • السياسة، ما دار بين كلٍّ من شعراء الجاهلية وشعراء الإسلام حول الأيّام، والإمارة، ومكانة القبيلة، وغيرها، (كعب بن جُعَيْل والنجاشي).
  • المديح.


نشأة النقائض

مع أنّ فن شعر النقائض نما أيّما نموّ في العصر الأمويّ، إلّا أنّ بذوره قد ظهرت منذ عصر الجاهليّة، حيث العصبية والمنافسات القبليّة، والتفاخر بالحسب والنسب، والسخرية من هزيمة الأعداء، واشتدّت في الحروب، إلّا أنّ النقائض كانت محدودةً ومحكومةً بالقيم الأخلاقيّة، ممزوجةً بالتهكّم والإضحكاك، أمّا كان أكثر من ذلك من شتمٍ وتعريض فقد كان هجاءً فظّاً مباشرًا حينها.

وأمّا عن النقائض في صدر الإسلام، فقد تهذَبت مع قيم الإسلام ومبادئه التي تسمو بالنفس وتهذَبها، وتنقّي القلبَ، وتزيل العداوات، وأطفأت جذوة العصبيّة، لكن النقائض بدأت بالظهور مُجَدَّدًا مع الغزوات، وانتشرت حينها، وخاصّةً بعد غزوة بدر، ومع أن جمر العصبية قد خمد، لكنّه لم يختفِ تمامًا، بل خفت كثرًا وفتر عمّا كان عليه قبل الإسلام.


وبعد فترةٍ من الفتور، اشتعلت نار النقائض من جديد في العصر الأمويّ، وانتشرت أكثر من أيّ وقتٍ مضى، واعتمدت في المقام الأوّل على الفخر والهجاء، وعاد الشعراء يحيوون القوافي القديمة والحديثة، ويطوّرون من فنّ النقائض، سادّين بذلك حاجة النظم، مُستَكملين أبواب المناقضة، فصارت النقائض مديدةً في الطول، كثيرةً في العدد، وتطوّر فنّ النقائض، وظهر بمصطلح السخرية مع بداية الخلافة الأمويّة، وقد ظهرت السخرية والفكاهة بشكلٍ جليٍّ في شهر جرير، والأخطل، والفرزدق.[٢]


أهمّ خصائص شعر النقائض

تأثّرت النقائض بالإسلام، فهناك هناك اختلاف في النقائض الجاهلية، وفي صدر الإسلام، وفي العصر الأمويّ، وهنا نجمع الخصائص بشكلٍ موجَز:[١]

  • مبنية على مقومّات جاهليّة، كالأصول الاجتماعيّة والأنساب.
  • العصبية القبليّة.
  • الهجاء.
  • التفاخر بالحسب والنسب.
  • فحش الألفاظ ‏والمعاني.
  • الاعتراف بالظلم والعدوان.
  • هتك الأعراض.
  • السخرية.
  • اللذع والتجريح.
  • كشف أخطاء الخصم.
  • المدح.
  • الاعتذار.
  • المقارنة.
  • طول القصائد.


أشهر شُعراء النقائض

ازدهر فنّ النقائض في العصر الأمويّ، وكان أبرز من برع واشتهر فيه جرير، والأخطل، والفرزدق، فَعُرِفوا بفحول النقائض، وقد فاض شِعرهم بالمهارة في وصف المهجو، ورسم صورته ببراعة، والنيل منه، ووسمه بسِمات يشتهر بها قُبحًا أو جمالًا، وبالطبع كان هناك شُعراء المزيد من شعراء النقائض آنَذاك، وأُطلِقَ عليهم أعلام النقائض، لكنّنا سنلقي الضوء على جرير، والأخطل، والفرزدق، الذين لُقِّبوا بالمثلّث الأموي، وقد تباينت الآراء في أيّ هؤلاء الثلاثة أفضل، فكان لكلٍّ منهم حزبًا متعصّبًا له، وقيل أنّ جريرًا كان أجمعهم لفنون الشعر، وأهجاهم، وأنسبهم، وأنّ الأخطلَ أمدحهم وأكثرهم وصفًا للخمر، وأنّ الفرزدق أفخَرهم:[٢][٣]

جرير: هو جرير بن عطية الكلبي اليربوعيّ التميميّ، لم تكن نشأتُه في أسرة معروفة بالجاه أو الشرف أو الثروة، إلّا أنّه فاخر بأسرته وأبيه الكثيرَ من الشعراء الذين قاموا بهجائه، وتمكّن من إخزائهم جميعاً، ولم يثبت له سوى الفرزدق والأخطل. وعُرف جرير بفُحش هجائه وإقذاعه رغمَ عفّة غزله، وكان متعفّفاً، لا يشرب الخمر، ولا يعرف العهر، وكان يتظاهر بأنه متديّنٌ ومتعصّبٌ للإسلام، واشتهر بكثرة معايرته الأخطلَ بدينه، والفرزدق برقّة دينه. وكان جرير يبدأ معظم قصائده في المدح والهجاء بالغزل التقليديّ الرقيق.[٣]

  • الأخطل: هو غياث بن غوث بن طارقة بن عمرو بن تغلب بن وائل بن قاسط، لقبه الأساسيّ الأخطل؛ وقد كان نصرانيًّا، ولُقِّب بالأخطل لأنّه كان يخطل في كلامه خطلًا، أي كان مضطرب الكلام، وقيل أيضًا أنّه لُقِّب بذلك لطول لسانه، وكان له ألقاب أخرى: دوبل، وذو الصليبظ، وذو العباية، ولم يكن للأخطل أسرةٌ تدعو للمفاخرة، وقد قام كعب بن جعيل بترشيحه ليهجو الأنصار، فهجاهم، ممّا عزّز صلته ببني أميّة بعده، واشتهر الأخطل بوصفه للخمر ومفاخرته بشربها. [٤]
  • الفرزدق: هو همّام بن غالب بن صعصعة بن دارم، بن تميم، لُقِّب بالفرزدق ‏لغلاظة وجهه، شَبّ في البادية؛ فتميّز بالصفات الجافة، والشكيمة القوية، وكان أسرته وقومه مدعاةً للمفاخرة، فامتلأت نفسه بالعجب والتيه؛ فكان أباه غالب من أجواد العرب، ‏وكان جدّه صعصعة، الذي "منع الوائدات وأحيا الوئيدة"، ليس هذا فحسب، بل كانت أيضًا أم الفرزدق ذات نسب، فقد كانت أخت الصحابي الأقرع بن حابس، واشتهر الفرزدق بنظمه الشعر منذ الصغر، واشتهر أيضا بالنساء، وبتعدّد زوجاته، وبتشيّعه لآل البيت، واشتهر أيضًا بالفخر الذين كان يغلب على هجائه.[٥]


نماذج من شعر النقائض


الفرزدق

يقول الفرزدق متفاخرًا بقبيلته:[٦]

إِنَّ الَّذي سَمَكَ السَماءَ بَنى لَنا**بَيتاً دَعائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطوَلُ

بَيتاً بَناهُ لَنا المَليكُ وَما بَنى**حَكَمُ السَماءُ فَإِنَّهُ لا يُنقَلُ

بَيتاً زُرارَةُ مُحتَبٍ بِفِنائِهِ**وَمُجاشِعٌ وَأَبو الفَوارِسِ نَهشَلُ

يَلِجونَ بَيتَ مُجاشِعٍ وَإِذا اِحتَبوا**بَرَزوا كَأَنَّهُمُ الجِبالُ المُثَّلُ

لا يَحتَبي بِفِناءِ بَيتِكَ مِثلُهُم**أَبَداً إِذا عُدَّ الفَعالُ الأَفضَلُ

مِن عِزِّهِم جَحَرَت كُلَيبٌ بَيتَها**زَرباً كَأَنَّهُمُ لَدَيهِ القُمَّلُ

ضَرَبَت عَلَيكَ العَنكَبوتَ بِنَسجِها**وَقَضى عَلَيكَ بِهِ الكِتابُ المُنزَلُ


جرير

فيردّ عليه جرير:[٧]

أخزى الذي سمك السماء مجاشعاً**وبنى بناءك في الحضيض الأسفَل

بيتـــــاً يحمحم قينكـــــم بفنائـــــهِ**دنســاً مقاعــده خبيــــث المدخَـــل

قُتل الزبير وأنت عاقـدُ حبوةٍ**تبـاً لحـبـوتـك التـي لـم تحــلـلِ

وافاكَ غدرُكَ بالزبير على منى**ومجر جعثـنـكم بذات الحرملِ

بات الفرزدق يستجيـر لنـفـسه**وعجان جعثن كالطريقِ ِالمُعمِلِ


الأخطل

يقول الأخطل في هجاء جرير وقومه، وفي مدح عبد الملك بن مروان وبني أميّة:[٨]

خَفَّ القَطينُ فَراحوا مِنكَ أَو بَكَروا**وَأَزعَجَتهُم نَوىً في صَرفِها غِيَرُ

كَأَنَّني شارِبٌ يَومَ اِستُبِدَّ بِهِم**مِن قَرقَفٍ ضُمِّنَتها حِمصُ أَو جَدَرُ

جادَت بِها مِن ذَواتِ القارِ مُترَعَةٌ**كَلفاءُ يَنحَتُّ عَن خُرطومِها المَدَرُ

لَذٌّ أَصابَت حُمَيّاها مُقاتِلَهُ**فَلَم تَكَد تَنجَلي عَن قَلبِهِ الخُمَرُ

كَأَنَّني ذاكَ أَو ذو لَوعَةٍ خَبَلَت**أَوصالَهُ أَو أَصابَت قَلبَهُ النُشَرُ

شَوقاً إِلَيهِم وَوَجداً يَومَ أُتبِعُهُم**طَرفي وَمِنهُم بِجَنبَي كَوكَبٍ زُمَرُ

حَثّوا المَطِيَّ فَوَلَّتنا مَناكِبُها**وَفي الخُدورِ إِذا باغَمتَها الصُوَرُ

يُبرِقنَ لِلقَومِ حَتّى يَختَبِلنَهُمُ**وَرَأيُهُنَّ ضَعيفٌ حينَ يُختَبَرُ

المراجع

  1. ^ أ ب ت أحمد الشايب، تاريخ النقائض في الشعر العربي، صفحة 147 - 200.
  2. ^ أ ب صورة المهجو في شعر النقائض (رسالة ماجستير)
  3. ^ أ ب جرير، ديوان جرير، صفحة 3 - 4 - 5.
  4. الأخطل، ديوان الأخطل، صفحة 3.
  5. الفرزدق، ديوان الفرزدق، صفحة 5 - 6.
  6. ديوان الفرزدق
  7. ديوان جرير
  8. ديوان الأخطل