نشأة شعر الطبيعة

منذ نشأة الإنسان الأولى فتحَ عينيه على الطّبيعة وأخذ يتأملّها من حوله، ويتطلّع محاسنها، ومواطن الجمال فيها بكلِّ ما فيها، وهام بحبٍ لبديع خلقها، وجمال روضها، ورونق سمائها، فقد كانت وحيًا استلهم منه الشّعراء والكتّاب ووجد فيها الشّاعر والكاتب منذ القديم مرتعًا لخياله، وملجًأ لأفكاره، بما فيها من أزهارٍ، ورياضٍ، وأطيار، وانسياب الجداول، وعبير البساتين، وعليل النسيم [١]، وكان أكثر شعراء الجاهليّة يصوّرون الطّبيعة بقسميها الحي، والصّامت بما في ذلك من وصفٍ للظعن، والخيل، والأطلال، غير أنّ شعر الطّبيعة عندهم لم يكن إلا تعبيرًا عن البيئة البدويّة الّتي عاشوها؛ فعبّروا عنها ببساطةٍ وصدق، ولمّا انتقل العرب من البداوة إلى الحضر، وعرفوا نعم الحياة، وترف القصور، وجمال الرّياض، تطوّر شعر الطبيعة خاصةً في عصر الازدهار في الأندلس.[٢]


شعر الطبيعة في الأندلس

هو الشّعر الّذي يُمثل الطّبيعة وبعض ما اشتملت عليه، في جوٍ طبيعي يزيده جمالًا خيالُ الشّاعر، وتتمثّل فيه نفسه المرهفة واستغراقه بمفاتنها. وكلّما كان شعر الطّبيعة معبرًا عن هذه المشاركة وهذا الاستغراق، ومصورًا جمال الطّبيعة الحيّ والصامت، وفتنتها في شتّى مظاهرها، كان الشّعر مزدهرًا ومحققًا غرضه وموضوعه.[٣]

ولقد وهب الله الأندلس طبيعةً فاتنةً فكانت أغنى بقاع المسلمين منظرًا، وأوفرها جمالًا؛ إذا تتميّز الأندلس بطبيعةٍ خلّابة حيث تقع في موقعٍ فريدٍ جغرافيًا وطبيعيًا، (وتمتد بين الجبال والبحار والوديان في أزهى ما تكون الأفاق، وأخصب ما تكون البقاع)، وتتمتّعُ الأندلسُ بطبيعتها الفاتنة بما فيها من سهولٍ، ووديانٍ، وأنهارٍ، وبركٍ، وجبالٍ، وغاباتٍ، وأشجارٍ، وأزهارٍ، وبساتين، ومنتزهات، وهنالك السّدود، والنواعير، والفوّرات، إضافةً إلى قصورها، وأبنيتها الفخمة، وهذا ما خطف ألباب الشّعراء للتّغنّي بجمالها، ووصف مفاتنها ومشاهدها، فانفتحت قرائح الشّعراء، وأخذوا ينظمون شعرهم دررًا في وصف جمال رياضها، ومباهج جناتها فما أن يهب نسيم عليل، ويفتح زهر جميل حتى يقول أجمل الأشعار.[٤]


فهذا ابن سهل الإشبيليّ يتفنّنُ في شعر الطّبيعة ويصّور الأرض، وقد لبست ثوبًا أخضرًا، والمطر الخفيف يتساقط كأنه جواهر قد انتثرت على الرّبا، وبرع في وصف رائحة الزهور لما تحولت كافورًا وغدا التراب كالمسك، وأبدع لمّا شخّص السّوسن مصافحًا الورود كأنه ثغر يقبّل خدها، وبرز جمال الصّورة الفنّيّة للنهر الممتد كالسّيف في هذا البستان الأخضر البديع:[٥]


الأَرضُ قَد لَبِسَت رِداءً أَخضَرا وَالطَلُّ يَنثُرُ في رُباها جَوهَرا هاجَت فَخِلتُ الزَهرَ كافوراً بِها وَحَسِبتُ فيها التُربَ مِسكاً أَذفَرا وَكَأَنَّ سَوسَنَها يُصافِحُ وَردَها ثَغرٌ يُقَبِّلُ مِنهُ خَدّاً أَحمَرا وَالنَهرُ ما بَينَ الرِياضِ تَخالُهُ سَيفاً تَعَلَّقَ في نِجادٍ أَخضَرا



لقد أوغل الشّعراء الأندلسيّون في الوصف كثيرًا، فأبدعوا بذلك، ونسجوا أجملَ الأشعار في وصف الطّبيعة، وكانوا يبثّون من خلالها مشاعرهم، وعواطفهم وتوقف بعضهم عند الطبيعة توقف العاشق الولهان، واتخذها بعضهم إطارًا للهموم ينتاغم مع سحرها، وحبّ الأندلسي للطّبيعة غارقٌ فيه، فهو يتحدّث عنها، ويتوحّد بها وينسجم معها بحيث يتعانق الورد والياسمين، وتجري المياه على حصباء فضّيّة، وتنتشر الأطياب في جوه سحرًا ونشوةً، فالشّاعر الأندلسيّ شديد الارتياح إلى الطبيعة وهو شديد الشّغف بها، وهي في زحمة الموضوعات مركزًا للالتفات، ومنبع التّصوير والتّزويق، ولم يكن جمال الطبيعة في الأندلس وحده الّذي ساعد على ازدهار شعر الطّبيعة، إنّما الحياة اللاهية أيضًا، وترف العيش هما اللّذان غمرا الشعراء في ذلك الوقت؛ إذ كانت الطبيعة مسرجَ حياة الشّاعر اللّاهية، ففي أحضانها استسلم للهو، والحب، والخمرة، وعكف يصوّر اللّهو، والحبّ، والخمرة في إطار الطبيعة وسحرها، مقدمًا لوحاتٍ فيها من العبير، والأصباغ، والألوان.[٦][٧][٨].


اتصال شعر الطبيعة بالأغراض الشعرية

كان شعر الطّبيعة لدى شعراء الأندلس مرتبطًا بجميع الأغراض الشّعريّة، ونختص الحديث عن أكثرها شيوعًا والّتي جاءت نتيجة تطور الحياة الحضرية والبيئة المحيطة:


الوصف والتّشخيص

ومنه شعر الزهريات، وهو خاص بوصف الأزهار والورود، والرّوضيّات لوصف الرّياض والبساتين، وقد وصل بهم الحدّ في التّرف الوصفي وفي التشخيص أن أقاموا بين الأزهار والورود مناظراتٍ، ومناقشاتٍ، وحوارات تحفل بالبلاغة المركبةِ والمترفة، والموسيقى العذبة، قال ابن حصن في النّيلوفر:[٩]


كلما أقبل الظلام عليهِ غمضت أنجم السّما عينيهِ فإذا عاد للصباح ضياءٌ عاد روح الحياةِ منهُ إليهِ



وقال ابن هانئ الأندلسي يصف أيام الربيع:[١٠]


ألُؤلُؤٌ دَمْعُ هذا الغيْثِ أم نُقَطُ ما كان أحْسنَنَهُ لو كان يُلتَقَطُ أهْدى الرّبيعُ إلينا روضةً أُنُفاً كما تَنَفّسَ عن كافورهِ السَّفَط



غمائمٌ في نواحي الجوِّ عاكفَةٌ جَعْدٌ تَحَدَّرَ منها وابلٌ سَبِط كأنّ تَهْتانَها في كُلِّ نَاحِيَةٍ مَدٌّ من البحرِ يعلو ثم ينهبط



ارتباط المرأة بالطبيعة

من خلال وصف الأزهار، والأغصان وتشبيها بالمرأة وحسنها؛ وذلك لأن المرأة لها اتصال وثيق بكلّ مظاهر الجمال. قال جعفر ابن محمد المصحفي يصف سفرجلة:[٩]


ومصفرّةٍ تختال في ثوب نرجسٍ وتعبق عن مسك ذكيِّ التنفس لها ريحُ محبوب وقوة قلبه ولون محبٍّ حلّة السّقم مكتسي



ارتباط الخمر بالطبيعة

انتشرت مظاهر اللهو والخمر بعد أن انتقلوا إلى حياة الحضر وعاشوا في القصور؛ وانتشرت مجالس اللهو والغناء والخمرة، وارتبط وصف الخمر بمعالم الطّبيعة من حولهم، قال ابن عمّار أبيات في الخمر والطبيعة:[١١]


أدرِ الزّجاجة فالنسيم قد انبرى والنّجم قد صرف العنان عن السّرى والصّبح قد أهدى لنا كافوره لما استرد اللّيل منا العنبرا والرّوض كالحسن كساه زهره وشيًا وقلّده نداء الجوهرا



خصائص شعر الطبيعة في الأندلس

يتميز شعر الطبيعة الأندلسي بالخصائص الآتية:[١٢]

  • يميل إلى تعلّق الشّعرء ببيئتهم، وتفضيلها على غيرها بعد أن كان هواهم معلّقًا بصور الجزيرة العربيّة.
  • هو شعر يصف طبيعة الأندلس الطبيعية بما فيها من حقولٍ، ورياضٍ، وأنهارٍ، وجبالٍ، وسماءٍ، ونجوم، والصّناعيّة بما فيها من القصور، والقناطير، والمساجد، والأبنية الفخمة.
  • هو شعر يصف الأقاليم الطّبيعيّة لبلاد الأندلس فكان لبعض الأقاليم شعراؤها الّذين اهتمّوا بوصف ديارهم.
  • الطّبيعة عندهم طروب تنشر جو الطّرب.
  • وصف الطبيعة عندهم متصل بالغزل والخمر، ففي كثير من شعرهم لا يذكرون الطّبيعة إلّا في رحاب الحبّ، ولا يذكرون الحب إلّا في رحاب الطبيعة.
  • المرأة عندهم صورة من محاسن الطّبيعة، والطّبيعة تجد المرأة ظلَّها وجمالها.
  • شعرهم يُعنى بتشخيص الطبيعة، وتصويرها على نحوٍ إنساني، وهو أنسنة للطّبيعة.
  • شعر الطّبيعة عندهم لا يظهر كغرضٍ مستقل إلّا نادرًا في بعض المقطوعات والقصائد؛ فنراه يمتزج مع الغزل كثيرًا، ونراه أيضًا في المدح، والرّثاء، والعتاب، والفخر.
  • كان لطبيعة الأندلس وما احتضنت من غزلٍ، ولهوٍ، وغناء أثرًا كبيرًا في اختراع قالبٍ جديد مستحدثٍ من الشّعر، ألا وهو الموشّحات.


أبرز شعراء الطّبيعة في الأندلس


ابن خفاجة

هو أبو إسحق إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله بن خفاجة ولد سنة أربعمئة وخمسين للهجرة، أقبل على العلم÷والتّزود بالآداب العربيّة، وتفتّحت موهبته الشّعريّة؛ إذ كان متأثرًا بأشعار عبد المحسن الصّوري، والشّريف الرّضي، ومهيار، والمتنبي، وفي شعره كان يمزج الطبيعة بأغراضٍ أخرى كالغزل والمديح [١٣]. قال في مدح الحسن بن الربيع صاحب قرطبة، وقد اتخذ من الطبيعة طريقًا لغرض مدح الممدوح:[١٤]


وَغَمامَةٍ نَشَرَت جَناحَ حَمامَةٍ وَالبَرقُ قَد نَسَجَ الظَلامَ نَهارا مُتَأَلِّقٌ صَدعَ الدُجى وَسَقى الثَرى فَاِبيَضَّ ذا نوراً وَذا أَنوارا في أَجرُعٍ خَلفَ الرَبيعُ بِهِ اِبنَهُ كَرَماً فَأَخصَبَ رَبوَةً وَقَرارا هَفَتِ الصَبا مِنهُ بِمَسرى ديمَةٍ هَطلاءَ قَرَّ بِها العَجاجُ وَقارا



ابن الزّقاق

هو أبو الحسن بن عطيّة المعروف بابن الزّقاق البلنسي، كانت زوجته أخت الشاعر أبي إسحق ابن خفاجة، وكان متأثرًا بشعره، طلب العلم في بلنسية، برع في الوصف والغزل، وكان شاعرًا مجيدًا غزلًا، حسن التّصرف في معاني الشّعر، نبيل الأغراض. وقال يصف المطر وهو يتساقط على زهر الرّياض:[١٥]


ورياضٍ منَ الشقائقِ أضْحَتْ يتهادَى فيها نسيمُ الرياحِ زرتُها والغمامُ يجلدُ منها زَهَراتٍ تروقُ لون الراحِ قلتُ ما ذنبُها فقال مجيباً سَرَقَتْ حُمْرَةَ الخدودِ الملاح



الرّصافي البلنسي

هو أبو عبد الله محمد بن غالب الرّصافي البلنسيّ، ولد ونشأ في رصافة بلنسيّة، ثمّ انتقل إلى غرناطة، وأكثر شعره في وصف الطبيعة، ولاسيما الّتي تكون جزءًا من وطنه، هو شاعر الصّورة، وشاعر السلاسة، وشاعر المقطوعات. وقد قال في مدح أبو جعفر الوقشي، وقد اتخذ من الطّبيعة منطلقًا له في غرض المدح:[١٦]


رَجُلٌ إِذا عَرَضَ الرِجالُ لَهُ كَثُرَ العَديدُ وَأَعوَزَ النِدُّ مِن مَعشَرٍ نَجَمَ العَلاءُ بِهِم زَهَراً كَما يَتَناسَقُ العِقدُ لَبِسوا الوزارَةَ مُعلَمينَ بِها وَمَعَ الصَنائِفِ يَحسُنُ البُردُ


المراجع

  1. جودت الرّكابي، في الأدب الأندلسي (الطبعة 2)، صفحة 124. بتصرّف.
  2. جودت الركابي، في الأدب الأندلسي (الطبعة 2)، مصر:دار المعارف، صفحة 127. بتصرّف.
  3. جودت الركابي، في الأدب الأندلسي، صفحة 126.
  4. جودت الركابي، في الأدب الأندلسي، صفحة 130. بتصرّف.
  5. جودت الركابي، في الأدب الأندلسي، صفحة 156.
  6. حنا الفاخوري (1986)، الجامع في تاريخ الأدب العربي القديم (الطبعة 1)، بيروت:دار الجيل، صفحة 895-933-934-. بتصرّف.
  7. شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي عصر الدول والإمارات الأندلس، صفحة 293، جزء 8. بتصرّف.
  8. جودت الركابي، في الأدب الأندلس، مصر:المعرف، صفحة 130-131. بتصرّف.
  9. ^ أ ب حنا الفاخوري، الجامع في تاريخ الأدب العربي، صفحة 943.
  10. جودت الركابي، في الأدب الأندلسي، صفحة 151-152.
  11. شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي عصر الدول والإمارات الأندلس، صفحة 300.
  12. جودت الركابي، في الأدب الأندلسي، صفحة 131-124.
  13. شوقي ضيف ، تاريخ الأدب العربي عصر الدول والإمارات الأندلس، صفحة 317. بتصرّف.
  14. جودت الركابي، في الأدب الأندلسي، صفحة 146.
  15. حنا الفاخوري، الجامع في تاريخ الأدب العربي، صفحة 977-979.
  16. شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي عصر الدول والإمارات الأندلس، مصر:دار المعارف، صفحة 204-206.