تأثرت موضوعات الشعر الجاهلي بالبيئة والأحداث؛ فقد كتب الشعراء بالعديد من الأغراض التي تعبر عن شعورهم عند حدوث أمر معين، إذ إنهم تغنوا بطباعهم الحسنة، وتباهوا بمكارم أخلاقهم، كما خلّدوا ذكر المواقع والمعارك التي انتصروا فيها، وأتوا على ذكر أحسن الصفات في موتاهم، وذكر أقبحها في أعدائهم، ومن هذا المنطلق تنوعت أغراض الشعر الجاهلي بما يتناسب مع الأحداث في ذلك العصر، ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن القصيدة الجاهلية لم تقتصر على غرض واحد فقط، بل كان الشعراء يأتون على أكثر من معنى وغرض في القصيدة الواحدة؛ فعادةً ما كانت تبدأ بالوقوف على الأطلال وتذكر ديار المحبوبة، أو بالغزل والوصف، وبعدها يذكر الشاعر الأبيات الاساسية في القصيدة والتي أراد الكتابة لأجلها، كأن يرثي واحدًا من الموتى الذين يعز عليه فراقهم، أو يمدح من يستحق المدح برأيه، ولتكون الصورة أوضح فيما يتعلق بأغراض الشعر الجاهلي سنأتي على ذكرها بشيء من التفصيل في هذا المقال. [١]


أغراض الشعر الجاهلي

نفصل فيما يأتي أشهر أغراض الشعر الجاهلي مع عرض لنموذج على كل منها:


1. الوصف

إن الوصف في الشعر الجاهلي يعدّ غرضًا أصيلًا؛ فلا تكاد تخلو منه قصيدة، إذ إن الشاعر الجاهلي يصف في قصائده الطبيعة الجامدة والمتحركة من جبال ورمال وإبل وخيل، كما وصف المرأة والمحبوبة، حتى أنه استعان بالوصف في كتابة العديد من الأغراض الشعرية، إذ إن الوصف إما أن يكون غرضًا أساسيًّا من القصيدة وإما أن يدخل لخدمة غيره من الأغراض الشعرية؛ فقد استخدم الوصف في المدح والغزل والهجاء والرثاء، ومن الجدير بالذكر أن الوصف في الشعر الجاهلي كان متأثرًا بالطبيعة والبيئة الصحراوية هناك، كما أنه كان وصفًا واضحًا يكاد القارِئ له يتخيل الصورة أمامه كما هي، وسنعرض فيما يأتي أشهر نماذج الوصف في الشعر الجاهلي: [٢][٣]


قال طرفة بن العبد في معلقته:[٤]


وَوَجهٌ كَأَنَّ الشَمسَ حَلَّت رِداءها عَلَيهِ نَقِيُّ اللَونِ لَم يَتَخَدَّدِ وَإِنّي لَأَمضي الهَمَّ عِندَ اِحتِضارِهِ بِعَوجاءَ مِرقالٍ تَروحُ وَتَغتَدي أَمونٍ كَأَلواحِ الأَرانِ نَصَأتُها عَلى لاحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهرُ بُرجُدِ جَماليَّةٍ وَجناءَ تَردي كَأَنَّها سَفَنَّجَةٌ تَبري لِأَزعَرَ أَربَدِ تُباري عِتاقاً ناجِياتٍ وَأَتبَعَت وَظيفاً وَظيفاً فَوقَ مَورٍ مُعَبَّدِ.



قال أوس بن حجر في وصف الأسلحة: [٥]


وَإِنّي اِمرُؤٌ أَعدَدتُ لِلحَربِ بَعدَما رَأَيتُ لَها ناباً مِنَ الشَرِّ أَعصَلا أَصَمَّ رُدَينِيّاً كَأَنَّ كُعوبَهُ نَوى القَسبِ عَرّاصاً مُزَجّاً مُنَصَّلا عَلَيهِ كَمِصباحِ العَزيزِ يَشُبَّهُ لِفِصحٍ وَيَحشوهُ الذُبالَ المُفَتَّلا وَأَملَسَ صولِيّاً كَنَهيِ قَرارَةٍ أَحَسَّ بِقاعٍ نَفحَ ريحٍ فَأَجفَلا كَأَنَّ قُرونَ الشَمسِ عِندَ اِرتِفاعِها وَقَد صادَفَت طَلقاً مِنَ النَجمِ أَعزَلا



2. الفخر

إنّ الشعر الجاهلي مليء بالفخر بطبيعته؛ فقد كان الشعراء يتغنون بأمجادهم وبأمجاد قبائلهم، كما يعرضون في الفخر كلًّا من البطولة والشهامة والتفاخر بالنسب والأصل، والفخر بمنزلة تخليد لكل المآثر الحسنة للفرد والقبيلة بما يضمن ارتفاع الشأن وعلوّ المنزلة، وقد يكون الفخر فرديًّا؛ كأن يفخر الشاعر بنفسه أو بشخص غيره، أو يكون جماعيًّا حين يفخر الشاعر بجماعة أو قبيلة، وفيما يأتي عرض لأبرز نماذج الفخر في الشعر الجاهلي: [٦]


قال سويد بن أبي كاهل اليشكري متغنّيًا بأمجاد قومه:[٧]


من أناس ليس من أخلاقهم عاجل الفحش، ولا سوء الجزع عرف للحق، ما نعيا به عند مر الأمر، ما فينا خرع وإذا هبت شمالًا أطعموا في قدور مشبعات لم تجع وجفان كالجوابي ملئت من سمينات الذرا فيها ترع لا يخاف الغدر من جاورهم أبدًا منهم ولا يخشى الطبع



فخر عمرو بن كلثوم بقبيلته أيما فخر في معلّقته قائلًا:[٨]


مَتى نَعقِد قَرينَتَنا بِحَبلٍ تَجُذّ الحَبلَ أَو تَقْص القَرينا وَنوجَدُ نَحنُ أَمنَعُهُم ذِمارًا وَأَوفاهُم إِذا عَقَدوا يَميناً ونَحنُ غَداةَ أُوقِدَ في خَزازى رَفَدنا فَوقَ رِفدِ الرافِدينا وَنَحنُ الحابِسونَ بِذي أُراطى تَسُفُّ الجِلَّةُ الخورُ الدَرينا ونَحنُ الحاكِمونَ إَذا أُطِعنا وَنَحنُ العازِمونَ إذا عُصينا وَنَحنُ التارِكونَ لِما سَخِطنا وَنَحنُ الآخِذونَ لِما رَضينا وَكُنّا الأَيمَنينَ إذا اِلتَقَينَا وَكانَ الأَيسَرين بَنو أَبينا



3. الهجاء

يعرف الهجاء بأنه عكس المدح، وهو ذكر عيوب شخص أو قبيلة معينة، وتخليد هزائم العدو ومخازيه، وفيه يذكر الشاعر أقبح الصفات لمن يهجوهم والتي تكون عكس الصفات التي يمدح الفرد لأجلها؛ فيهجو الشاعر أحدًا لبخله أو قومًا لجبنهم، وقد يكون الهجاء وسط قصيدة في المدح أو الفخر حين يمدح الشاعر نفسه أو يفخر بقومه فيذم عدوه ويهجو القبيلة المعادية لقبيلته، وفيما يأتي عرض لأبرز نماذج الهجاء في الشعر الجاهلي: [٩]


قال أوس بن حجر في هجاء بني الحارث حين اقتسموا معزاه:[٥]


فإن يأتكُمْ منِّي هجاءٌ فإنّما حَبَاكُمْ بهِ مني جميلُ بنُ أرْقما تجلّلَ غدراً حرملاءَ وأقلعتْ سحائبُهُ لمّا رأى أهلَ ملهَمَا فهلْ لكُمُ فيهَا أليّ فإنّني طبيبٌ بما أعيَا النّطاسيُّ حذيمَا فَأُخرِجَكُم من ثوْبِ شَمطاءَ عارِكٍ مُشَهَّرَةٍ بَلّتْ أسافِلَهُ دَما وَلَوْ كانَ جارٌ مِنْكُمُ في عَشيرتي إذًا لرَأوا للجار حقّاً ومحرمَا وَلَو كانَ حَولي مِن تَميمٍ عِصابَةٌ لَما كانَ مالي فيكُمُ مُتَقَسَّما أَلا تَتَّقونَ اللَهَ إِذ تَعلِفونَها رَضيخَ النَوى وَالعُضِّ حَولاً مُجَرَّما وَأَعجَبَكُم فيها أَغَرُّ مُشَهَّرٌ تِلادٌ إِذا نامَ الرَبيضُ تَغَمغَما



ومن أغرب ما قيل في الهجاء قول الحطيئة في هجاء نفسه:


أَبَت شَفَتايَ اليَومَ إِلّا تَكَلُّماً بِشَرٍّ فَما أَدري لِمَن أَنا قائِلُه أَرى لِيَ وَجهاً شَوَّهَ اللَهُ خَلقَهُ فَقُبِّحَ مِن وَجهٍ وَقُبِّحَ حامِلُه.



4. المدح

يعد المدح من أهم الأغراض التي تناولها الشعر الجاهلي؛ إذ إن العرب يهتمون كثيرًا بمكارم الأخلاق وبذياع الصيت الطيب، وكان المدح بمنزلة تخليد لمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات والطباع، وكان الشعراء يمدحون إما لعاطفة صادقة تجاه شخص أو قبيلة، وإما للتكسب وجمع المال من مدح الملوك والأمراء، وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الصفات التي كان يمدح بها الأشخاص في الشعر الجاهلي هي الكرم والشجاعة وإغاثة الملهوف، وغيرها من مكارم الأخلاق التي تمسّك بها العرب وحرصوا عليها، وفيما يأتي عرض لأبرز نماذج المدح في الشعر الجاهلي: [٢]


قال عروة بن الورد في مدح سيد القوم ربيع:[١٠]


لِكُلِّ أُناسٍ سَيِّدٌ يَعرِفونَهُ وَسَيِّدُنا حَتّى المَماتِ رَبيعُ إِذا أَمَرَتني بِالعُقوقِ حَليلَتي فَلَم أَعصِها إِنّي إِذاً لَمَضيعُ.



قال عنترة بن شداد مادحًا الملك الفارسي كسرى أنوشروان:[١١]


يا أَيُّها المَلِكُ الَّذي راحاتُهُ قامَت مَقامَ الغَيثِ في أَزمانِهِ يا قِبلَةَ القُصّادِ يا تاجَ العُلا يا بَدرَ هَذا العَصرِ في كيانه يا مُخجِلاً نَوءَ السَماءِ بِجودِهِ يا مُنقِذَ المَحزونِ مِن أَحزانِهِ يا ساكِنينَ دِيارَ عَبسٍ إِنَّني لاقَيتُ مِن كِسرى وَمِن إِحسانِهِ ما لَيسَ يوصَفُ أَو يُقَدَّرُ أَو يَفي أَوصافَهُ أَحَدٌ بِوَصفِ لِسانِهِ



5. الرثاء

ظهر غرض الرثاء في الشعر الجاهلي لإخراج مشاعر الحزن والألم والأسى لفقد أحد الأعزاء، وفي قصائد الرثاء تكون المشاعر صادقة وواضحة؛ لأن الرثاء لا يكون للتكسب كغيره من الأغراض، بل هو نابع من شدة المشاعر وقوتها بعد الفقد، وفي قصيدة الرثاء يخلد الشاعر صفات المتوفى ويمدحه ويأتي على ذكر محاسنه، وفي الوقت نفسه يظهر الحزن الشديد في القصيدة والأسى على الفقد، وفيما يأتي عرض لأبرز نماذج الرثاء في الشعر الجاهلي: [٩]


قالت الخنساء في رثاء أخيها صخرًا ما خلده الرثاء في الشعر:[١٢]


أَعَينَيَّ جودا وَلا تَجمُدا أَلا تَبكِيانِ لِصَخرِ النَدى أَلا تَبكِيانِ الجَريءَ الجَميلَ أَلا تَبكِيانِ الفَتى السَيِّدا طَويلَ النِجادِ رَفيعَ العِمادِ سادَ عَشيرَتَهُ أَمرَدا إِذا القَومُ مَدّوا بِأَيديهِمِ إِلى المَجدِ مَدَّ إِلَيهِ يَدا فَنالَ الَّذي فَوقَ أَيديهِمِ مِنَ المَجدِ ثُمَّ مَضى مُصعِدا يُكَلِّفُهُ القَومُ ما عالَهُم وَإِن كانَ أَصغَرَهُم مَولِدا تَرى المَجدَ يَهوي إِلى بَيتِهِ يَرى أَفضَلَ الكَسبِ أَن يُحمَدا وَإِن ذُكِرَ المَجدُ أَلفَيتَهُ تَأَزَّرَ بِالمَجدِ ثُمَّ اِرتَدى



قال المهلهل في رثاء أخيه كليب:[١٣]


أَهاجَ قَذاءَ عَينِيَ الإِذِّكارُ هُدُوّاً فَالدُموعُ لَها اِنحِدارُ وَصارَ اللَيلُ مُشتَمِلاً عَلَينا كَأَنَّ اللَيلَ لَيسَ لَهُ نَهارُ وَبِتُّ أُراقِبُ الجَوزاءَ حَتّى تَقارَبَ مِن أَوائِلِها اِنحِدارُ أُصَرِّفُ مُقلَتَي في إِثرِ قَومٍ تَبايَنَتِ البِلادُ بِهِم فَغاروا وَأَبكي وَالنُجومُ مُطَلِّعاتٌ كَأَن لَم تَحوِها عَنّي البِحارُ عَلى مَن لَو نُعيتُ وَكانَ حَيّاً لَقادَ الخَيلَ يَحجُبُها الغُبارُ دَعَوتُكَ يا كُلَيبُ فَلَم تُجِبني وَكَيفَ يُجيبُني البَلَدُ القِفارُ أَجِبني يا كُلَيبُ خَلاكَ ذَمُّ ضَنيناتُ النُفوسِ لَها مَزارُ أَجِبني يا كُلَيبُ خَلاكَ ذَمُّ لَقَد فُجِعَت بِفارِسِها نِزارُ سَقاكَ الغَيثُ إِنَّكَ كُنتَ غَيثاً وَيُسراً حينَ يُلتَمَسُ اليَسارُ



6. الغزل

عند الحديث عن أغراض الشعر الجاهلي فإن الغزل هو أول ما يمكن أن يخطر في البال؛ وذلك لأن الشعراء كانوا يعدونه افتتاحًا لأغلب قصائدهم على اختلاف أغراضها، فالغزل في القصيدة كالمقبّلات في الطعام، يدفع القارئ إلى متابعة القراءة، وقد تناول الغزل ذكر المحبوبة ووصف ما يعتري القلب من شعور وصبابة وشوق عند ذكرها أو رؤيتها، كما اعتنى الغزل بوصف محاسن المرأة وتشبيهها بأجمل ما يمكن التشبيه به كالقمر وغيره، وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الغزل في الشعر يعد من أقرب الموضوعات إلى النفس؛ وذلك لأن الإنسان يميل بفطرته إلى الحب، وفيما يأتي عرض لأبرز نماذج الغزل في الشعر الجاهلي: [٢]


قال المرقّش الأصغر في الغزل:[١٤]


أَفاطِمَ لَوْ أَنَّ النِّساءَ بِبَلْدَةٍ وأَنْتِ بأُخْرَى لاتَّبَعْتُكِ هائِما متى ما يَشأْ ذُو الوُدِّ يَصْرِمْ خَلِيلَهُ ويَعْبَدْ عليهِ لا مَحالَةَ ظالِما وآلى جَنابٌ حِلْفَةً فأَطعْتَهُ فَنفْسَكَ وَلِّ اللَّوْمَ إِنْ كُنْتَ لائِما كأَنَّ عليه تاجَ آلِ مُحَرِّقٍ بِأَنْ ضَر مَوْلاهُ وأَصْبَحَ سالِما فمن يَلْقَ خَيْراً يَحْمَدِ النَّاسَ أَمْرَهُ ومن يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائِما



وقال عنترة بن شداد متغزّلًا بعبلة:[١١]


جُفونُ العَذارى مِن خِلالِ البَراقِعِ أَحَدُّ مِنَ البيضِ الرِقاقِ القَواطِعِ إِذا جُرِّدَت ذَلَّ الشُجاعُ وَأَصبَحَت مَحاجِرُهُ قَرحى بِفَيضِ المَدامِعِ سَقى اللَهُ عَمّي مِن يَدِ المَوتِ جَرعَةً وَشُلَّت يَداهُ بَعدَ قَطعِ الأَصابِعِ كَما قادَ مِثلي بِالمُحالِ إِلى الرَدى وَعَلَّقَ آمالي بِذَيلِ المَطامِعِ لَقَد وَدَّعَتني عَبلَةٌ يَومَ بَينِه وَداعَ يَقينٍ أَنَّني غَيرُ راجِعِ وَناحَت وَقالَت كَيفَ تُصبِحُ بَعدَنا إِذا غِبتَ عَنّا في القِفارِ الشَواسِعِ وَحَقِّكَ لا حاوَلتُ في الدَهرِ سَلوَةً وَلا غَيَّرَتني عَن هَواكَ مَطامِعي فَكُن واثِقاً مِنّي بِحُسنِ مَوَدَّةٍ وَعِش ناعِماً في غِبطَةٍ غَيرِ جازِعِ



خصائص الشعر الجاهلي

إن القارئ منا للشعر الجاهلي يستطيع تمييزه دون أن يتأكد ما إذا كان هذا الشعر جاهليًّا حقًّا أم لا، وذلك لاتسامه بمجموعة واضحة من السمات والخصائص التي تجعله معروفًا ومميزًا مقارنة بغيره من شعر العصور الأخرى، ولإيضاح ذلك سنعرض فيما يأتي أشهر خصائص الشعر الجاهلي: [١٥]


1. البساطة والبعد عن التصنع

إذ إن البيئة الصحراوية في العصر الجاهلي انعكست أيما انعكاس على الشعر في ذلك العصر، ومن هذا المنطلق كان الشاعر يعبر عن ما يدور في باله مباشرة، وتظهر البساطة بوضوح في صدق الشعر الجاهلي وصراحته، كما يدل على ذلك الشعر الذي كانوا يخاطبون به الملوك، فلم يكن يختلف عن غيره من الشعر غير الموجه للملوك، وقد أثر في ذلك اعتيادهم في الاستقلال وعدم الاستقرار في مكان واحد، وهذا ما منحهم الحرية التي أثرت على أقوالهم وأفعالهم إلى أن وصلت إلى أشعارهم، وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الأصل في الشعر الجاهلي ما قاله أحد الشعراء في ذاك العصر:


وإنّ أشعر بيت أنت قائله بيت يقال إذا أنشدته صدقا


2. التعبيرالواضح عن الحب

إن الدارس للشعر العربي عبر العصور يلحظ تميز الشعر المكتوب في الهيام والحب في العصر الجاهلي مقارنة بغيره من العصور؛ إذ نلحظ أن الشعراء في العصور ما بعد العصر الجاهلي يستخدمون الصور الفنية والمبالغات للتعبير عن حبهم، كقول المتنبي: "لولا مخاطبتي إياك لم ترني"، بينما كان تعبير الشاعر الجاهلي عن حبه نقلًا لما يشعر به تمامًا، لدرجة أن أي شخص يشعر بالحب سيفهم المعنى الذي أراد الشاعر إيصاله، ومن ذلك ما قاله مجنون ليلى الذي يحسب على العصر الجاهلي في طباعه البدوية:


ذكرت ليلى والسنين الخواليا وأيّام لا أعدى على الدهر عاديا بِثَمدَينِ لاحَت نارَ لَيلى وَصَحبَتي بِذاتِ الغَضا تَزجي المَطِيَّ النَواجِيا فَقالَ بَصيرُ القَومِ أَلمَحتُ كَوكَباً بَدا في سَوادِ اللَيلِ فَرداً يَمانِيا فَقُلتُ لَهُ بَل نارَ لَيلى تَوَقَّدَت بِعَليا تَسامى ضَوؤُها فَبَدا لِيا فَلَيتَ رِكابَ القَومِ لَم تَقطَعِ الغَضا وَلَيتَ الغَضى ماشى الرِكابَ لَيالِيا


3. البلاغة في التركيب

إن اللغة في العصر الجاهلي تعد مثلًا أعلى في البلاغة، سواء أكانت شعرًا أم نثرًا، إذ إنها كانت أبعد ما تكون عن العجمة ودخول اللغات الأخرى عليها، كما أنها كانت بمعزل عن تملق المدنية والزخارف اللغوية من البديع والجناس والصور الفنية، بل إنها كانت تكتفي بكل تلك المحسنات كما يكتفي الطعام من الملح، أي بالقليل فقط، وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن عدم فهم بعض الشعر الجاهلي يرجع إلى غرابة الألفاظ وليس تعقيد التراكيب، وإن معرفة معاني الألفاظ الغريبة تجعلنا ندرك تمامًا بساطة التراكيب وبلاغتها.

المراجع

  1. علي الجندي، في تاريخ الأدب الجاهلي، صفحة 343-344. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت محمد ياكيشيك، الأدب في اللغة العربية، صفحة 5-6. بتصرّف.
  3. العصر الجاهلي كان الوصف,للفهد أو اليربوع أو الأرنب "الوصف في الشعر"، الرياض، 2010، العدد 15185، صفحة 6. بتصرّف.
  4. طرفة بن العبد، ديوان طرفة ابن العبد، صفحة 222.
  5. ^ أ ب أوس بن حجر، ديوان أوس بن حجر، صفحة 111.
  6. علي الجندي، في تاريخ الأدب الجاهلي، صفحة 364. بتصرّف.
  7. سويد بن أبي كاهل اليشكري، ديوان سويد بن أبي كاهل اليشكري، صفحة 27.
  8. عمرو بن كلثوم، ديوان عمرو بن كلثوم، صفحة 81.
  9. ^ أ ب علي الجندي، في تاريخ الأدب الجاهلي، صفحة 373. بتصرّف.
  10. عروة بن الورد، ديوان عروة بن الورد، صفحة 226.
  11. ^ أ ب عنترة بن شداد، ديوان عنترة بن شداد، صفحة 47.
  12. الخنساء، ديوان الخنساء، صفحة 31.
  13. مهلهل بن ربيعة، ديوان مهلهل بن ربيعة، صفحة 31.
  14. المرقشيْن، ديوان المرقشيْن، صفحة 100.
  15. جُرجي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، صفحة 95. بتصرّف.