إنّ الحديث عن الوصف في الشعر الجاهلي يستلزم الحديث عن البيئة في ذلك العصر، فما الوصف إلا إسقاط لما يعيشه الشاعر في البيئة على بعض الأشياء والمشاعر ليجعلها أكثر وضوحًا، وأقرب للفهم؛ إذ إن الشاعر يلجأ إلى الوصف لتقريب الصورة إلى الأذهان ولمنح الشعر نوعًا من الجمالية أيضًا، فحين يصف الشاعر السحاب في العصر الجاهلي فإنه قد يستعين بالإبل، أو الجبال لتقريب الصورة التي يريد نقلها؛ أي يستعين بالعناصر القريبة منه والموجودة في بيئته، وسنعرض في هذا المقال تفصيلًا للبيئة في العصر الجاهلي مع عرضٍ لبعض نماذج الوصف في الشعر الجاهلي. [١]

البيئة في العصر الجاهلي

للبيئة العربية تأثير كبير على الأدب عمومًا، وعلى الوصف خصوصًا، كيف لا والوصف يستمد معانيه من البيئة، ويأخذ منها أفكاره وتشبيهاته، وعند الحديث عن البيئة في العصر الجاهلي فإن السفر والترحال والتنقل هو أول ما يخطر في البال، فقد كان العرب في الجزيرة دائمي البحث عن الماء والطعام لهم ولدوابهم، لذلك فإن إقامتهم في أي مكان مرتبطة بوجودهما، وقد بدا تأثير ذلك واضحًا على الشعر الجاهلي؛ إذ إن الشعراء كانوا دائمًا ما يفتتحون قصائدهم بالوقوف على الأطلال، وتذكر الديار التي كان فيها المحبوب.[١]


كما انعكس ذلك الأمر على الوضع المادي في ذاك العصر؛ فقد كان الفقر متفشيًا مما جعل من قيمة الفرد منحطة ورخيصة، وهذا ما جعل الحروب ونشوبها كشربة الماء؛ فلا يوجد لدى الفرد في تلك البيئة شيئًا ليخسره، لذلك فإنه كان مندفعًا نحو الحرب التي أكثر من تناولها في شعره، ووصف كل ما يتعلق بها من أسلحةٍ وعتاد، كما استخدم الشعر لصالحه في الحرب، فكان الفرد ينتصر لقبيلته على القبيلة المعادية.[١]


وبذلك تكون البيئة قد أثّرت على الشعر الجاهلي وتوظيفه للوصف أيما تأثير؛ فقد وصف الشاعر الجاهلي الصحراء، وما فيها من ظباء وذئاب، كما وصف الحضر، وما فيه من نباتات وأزهار، فلم يترك الشاعر شيئًا في بيئته إلا وصفه واستخدمه في الوصف، فكانت جملة "الشعر ديوان العرب" حقيقة مثبتة في الشعر الجاهلي.[١]


نماذج من الوصف في الشعر الجاهلي

برع العرب في الجاهلية في شعر الوصف، فوصفوا الطبيعة الساكنة من صحراء وسحاب، ووصفوا الطبيعة المتحركة من الإبل والخيل، كما وصفوا الكثير من الجمادات كالأسلحة والخمر، وفيما يأتي عرض لأبرز نماذج الوصف في الشعر الجاهلي:


وصف الناقة

إن أعظم من وصف الناقة في شعره هو طرفة بن العبد، فقد أفرد لها من معلقته 28 بيتًا لا يوجد فيها أي معنى مكرر، وهذا ما لم يستطع شاعر الإتيان به، وفيما يأتي عرض لبعض تلك الأبيات:[٢]


وَإِنّي لَأَمضي الهَمَّ عِندَ اِحتِضارِهِ بِعَوجاءَ مِرقالٍ تَروحُ وَتَغتَدي أَمونٍ كَأَلواحِ الأَرانِ نَصَأتُها عَلى لاحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهرُ بُرجُدِ تَرَبَّعَتِ القُفَّينِ في الشَولِ تَرتَعي حَدائِقَ مَوليِّ الأَسِرَّةِ أَغيَدِ تَريعُ إِلى صَوتِ المُهيبِ وَتَتَّقي بِذي خُصَلٍ رَوعاتِ أَكلَفَ مُلبِدِ كَأَنَّ جَناحَي مَضرَحيٍّ تَكَنَّفا حِفافَيهِ شُكّا في العَسيبِ بِمَسرَدِ فَطَوراً بِهِ خَلفَ الزَميلِ وَتارَةً عَلى حَشَفٍ كَالشَنِّ ذاوٍ مُجَدَّدِ لَها فَخِذانِ أُكمِلَ النَحضُ فيهِما كَأَنَّهُما بابا مُنيفٍ مُمَرَّدِ وَطَيُّ مَحالٍ كَالحَنيِّ خُلوفُهُ وَأَجرِنَةٌ لُزَّت بِدَأيٍ مُنَضَّدِ كَأَنَّ كِناسَي ضالَةٍ يُكنِفانِها وَأَطرَ قِسيٍّ تَحتَ صُلبٍ مُؤَيَّدِ لَها مِرفَقانِ أَفتَلانِ كَأَنَّها تَمُرُّ بِسَلمَي دالِجٍ مُتَشَدَّدِ.



وصف الفرس

قال امرؤ القيس في معلقته واصفًا الفرس وصفه الأشهر إطلاقًا:[٣]


مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ مَعًا كَجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَيلُ مِن عَلِ كُمَيتٍ يَزِلُّ اللِبدُ عَن حالِ مَتنِهِ كَما زَلَّتِ الصَفواءُ بِالمُتَنَزَّلِ مِسَحٍّ إِذا ما السابِحاتُ عَلى الوَنى أَثَرنَ غُباراً بِالكَديدِ المُرَكَّلِ عَلى العَقبِ جَيَّاشٍ كَأَنَّ اِهتِزامَهُ إِذا جاشَ فيهِ حَميُهُ غَليُ مِرجَلِ يَطيرُ الغُلامَ الخِفُّ عَن صَهَواتِهِ وَيَلوي بِأَثوابِ العَنيفِ المُثَقَّلِ دَريرٍ كَخُذروفِ الوَليدِ أَمَرَّهُ تَقَلُّبُ كَفَّيهِ بِخَيطٍ مُوَصَّلِ لَهُ أَيطَلا ظَبيٍ وَساقا نَعامَةٍ وَإِرخاءُ سِرحانٍ وَتَقريبُ تَتفُلِ كَأَنَّ عَلى الكَتفَينِ مِنهُ إِذا اِنتَحى مَداكُ عَروسٍ أَو صَلايَةُ حَنظَلِ وَباتَ عَلَيهِ سَرجُهُ وَلِجامُهُ وَباتَ بِعَيني قائِماً غَيرَ مُرسَلِ فَعَنَّ لَنا سِربٌ كَأَنَّ نِعاجَهُ عَذارى دَوارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّلِ.



وصف الأطلال

قال زهير بن أبي سلمى في وصف الأطلال:[٤]


أَمِن أُمِّ أَوفى دِمنَةٌ لَم تَكَلَّمِ بِحَومانَةِ الدُرّاجِ فَالمُتَثَلَّمِ وَدارٌ لَها بِالرَقمَتَينِ كَأَنَّها مَراجِعُ وَشمٍ في نَواشِرِ مِعصَمِ بِها العَينُ وَالأَرآمُ يَمشينَ خِلفَةً وَأَطلاؤُها يَنهَضنَ مِن كُلِّ مَجثِمِ وَقَفتُ بِها مِن بَعدِ عِشرينَ حِجَّةً فَلَأياً عَرَفتُ الدارَ بَعدَ التَوَهُّمِ أَثافِيَّ سُفعاً في مُعَرَّسِ مِرجَلٍ وَنُؤياً كَجِذمِ الحَوضِ لَم يَتَثَلَّمِ فَلَمّا عَرَفتُ الدارَ قُلتُ لِرَبعِها أَلا عِم صَباحاً أَيُّها الرَبعُ وَاِسلَمِ.



وصف الليل

قال عدي بن ربيعة الذي يعرف بالمهلهل في وصف الليل:[٥]


أَلَيلَتَنا بِذي حُسُمٍ أَنيري إِذا أَنتِ اِنقَضَيتِ فَلا تَحوري فَإِن يَكُ بِالذَنائِبِ طالَ لَيلي فَقَد أَبكي مِنَ اللَيلِ القَصيرِ وَأَنقَذَني بَياضُ الصُبحِ مِنها لَقَد أُنقِذتُ مِن شَرٍّ كَبيرِ كَأَنَّ كَواكِبَ الجَوزاءِ عُودٌ مُعَطَّفَةٌ عَلى رَبعٍ كَسيرِ كَأَنَّ الفَرقَدَينِ يَدا بَغيضٍ أَلَحَّ عَلى إِفاضَتِهِ قَميري أَرَقتُ وَصاحِبي بِجَنوبِ شِعبٍ لِبَرقٍ في تِهامَةَ مُستَطيرِ.



وصف السحاب والمطر

قال الأعشى في معلقته في وصف المطر:[٦]


يا مَن يَرى عارِضاً قَد بِتُّ أَرقُبُهُ كَأَنَّما البَرقُ في حافاتِهِ الشُعَلُ لَهُ رِدافٌ وَجَوزٌ مُفأَمٌ عَمِلٌ مُنَطَّقٌ بِسِجالِ الماءِ مُتَّصِلُ لَم يُلهِني اللَهوُ عَنهُ حينَ أَرقُبُهُ وَلا اللَذاذَةُ مِن كَأسٍ وَلا الكَسَلُ فَقُلتُ لِلشَربِ في دُرنى وَقَد ثَمِلوا شيموا وَكَيفَ يَشيمُ الشارِبُ الثَمِلُ بَرقاً يُضيءُ عَلى أَجزاعِ مَسقِطِهِ وَبِالخَبِيَّةِ مِنهُ عارِضٌ هَطِلُ قالوا نِمارٌ فَبَطنُ الخالِ جادَهُما فَالعَسجَدِيَّةُ فَالأَبلاءُ فَالرِجَلُ فَالسَفحُ يَجري فَخِنزيرٌ فَبُرقَتُهُ حَتّى تَدافَعَ مِنهُ الرَبوُ فَالجَبَلُ حَتّى تَحَمَّلَ مِنهُ الماءَ تَكلِفَةً رَوضُ القَطا فَكَثيبُ الغَينَةِ السَهِلُ يَسقي دِياراً لَها قَد أَصبَحَت عُزُباً زوراً تَجانَفَ عَنها القَودُ وَالرَسَلُ.



وصف الصحراء

قال المرقش الأكبر في وصف الصحراء:[٧]


ودَوِّيَّةٍ غَبْراءَ قد طالَ عَهْدُها تَهالَكُ فيها الوِرْدُ والمَرْءُ ناعِسُ قَطَعْتُ إلى مَعْرُوفها مُنْكَراتِها بِعَيْهامَةٍ تَنْسَلُّ واللَّيْلُ دامِسُ ترَكْتُ بها لَيْلاً طَويلاً ومَنْزِلاً ومُوقَدَ نارٍ لَم تَرُمْهُ القَوابِسُ وتَسْمعُ تَزْقاءً منَ البومِ حَولَنا كما ضُربتْ بعدَ الهُدُوءِ النَّواقِسُ.



وصف الخمر

قال عمرو بن كلثوم في وصف الخمر:[٨]


أَلا هُبّي بِصَحنِكِ فَاَصبَحينا وَلا تُبقي خُمورَ الأَندَرينا مُشَعشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فيها إِذا ما الماءُ خالَطَها سَخينا تَجورُ بِذي اللُبانَةِ عَن هَواهُ إِذا ما ذاقَها حَتّى يَلينا تَرى اللَحِزَ الشَحيحَ إِذا أُمِرَّت عَلَيهِ لِمالِهِ فيها مُهينا.



وصف الأسلحة

قال أوس بن حجر في وصف الأسلحة:[٩]


وَإِنّي اِمرُؤٌ أَعدَدتُ لِلحَربِ بَعدَما رَأَيتُ لَها ناباً مِنَ الشَرِّ أَعصَلا أَصَمَّ رُدَينِيّاً كَأَنَّ كُعوبَهُ نَوى القَسبِ عَرّاصاً مُزَجّاً مُنَصَّلا عَلَيهِ كَمِصباحِ العَزيزِ يَشُبَّهُ لِفِصحٍ وَيَحشوهُ الذُبالَ المُفَتَّلا وَأَملَسَ صولِيّاً كَنَهيِ قَرارَةٍ أَحَسَّ بِقاعٍ نَفحَ ريحٍ فَأَجفَلا كَأَنَّ قُرونَ الشَمسِ عِندَ اِرتِفاعِها وَقَد صادَفَت طَلقاً مِنَ النَجمِ أَعزَلا تَرَدَّدَ فيهِ ضَوءُها وَشُعاعُها فَأَحسِن وَأَزيِن بِاِمرِئٍ أَن تَسَربَلا وَأَبيَضَ هِندِياً كَأَنَّ غِرارَهُ تَلَألُؤُ بَرقٍ في حَبِيٍّ تَكَلَّلا إِذا سُلَّ مِن جَفنٍ تَأَكَّلَ أَثرُهُ عَلى مِثلِ مِصحاةِ اللُجَينِ تَأَكُّلا كَأَنَّ مَدَبَّ النَملِ يَتَّبِعُ الرُبى وَمَدرَجَ ذَرٍّ خافَ بَرداً فَأَسهَلا عَلى صَفحَتَيهِ مِن مُتونِ جِلائِهِ كَفى بِالَّذي أُبلي وَأَنعَتُ مُنصُلا.


المراجع

  1. ^ أ ب ت ث عبد العظيم علي قناوي، الوصف في الشعر العربي، صفحة 53. بتصرّف.
  2. الأعلم الشنتمري، ديوان طرفة بن العبد، صفحة 28-34.
  3. حسن السندومي، امرؤ القيس، صفحة 132.
  4. الزوزني، شرح المعلقات العشر، صفحة 129-131.
  5. "أليلتنا بذي حسم أنيري"، الديوان.
  6. الزوزني، شرح المعلقات العشر، صفحة 317-3120.
  7. "أمن آل أسماء الطلول الدوارس"، الديوان.
  8. الزوزني، شرح معلقة عمرو بن كلثوم، صفحة 10-13.
  9. الدكتور مصطفى حداد، صورة السلاح في ديوان أوس بن حجر، صفحة 26-29.