تناول الشعراء الجاهليون في أشعارهم وقصائدهم حياة العربيّ الجاهليّ، وأشاروا إلى عاداته وتقاليده، ومظاهر عصره، وتحدثوا عن عواطفهم وأحاسيسهم، فسجلوا حياتهم وبيئتهم وأحوالهم، وبناء على ذلك تعددت الموضوعات والأغراض الشعرية في العصر الجاهلي، ومنها شعر الهجاء الذي يصبّ فيه الشاعر سخطه وغضبه على خصومه وأعدائه، ويستخدمه سلاحًا يتسلّح به ضدّهم، وفي هذا المقال توضيح للمزيد حول الهجاء في العصر الجاهلي.[١][٢]


الهجاء في الشعر الجاهلي

يُعرف الهجاء بأنه فنّ يلجأ إليه الشاعر للتعبير عن غضبه وسخطه وما في نفسه من ضغائن وأحقاد تجاه خصومه وأعدائه، ويُشار إلى أنّ هذا الفنّ عادةً ما يرتبط بالحروب والمنازعات، فكان لسان الشاعر في الهجاء في أيام القتال يؤدي دوره مثلما تؤديه السيوف والرماح، ومن الجدير بالذكر أنّ نشأة فنّ الهجاء ارتبطت بالعصبية القبليّة التي كان يمتاز بها العصر الجاهليّ، فالشاعر لسان حال قبيلته يدافع عنها ويهجو خصومها، كما يُلاحَظ في بعض الأحيان أنّ قصائد الهجاء يتخللها المديح أو الفخر لبيان مفاخر النفس أو القبيلة والتقليل من قدر الخصوم أو مَن يهجوه الشاعر، فيُقيم هجاءه على عُنصر المفاضلة.[٣][٤]


ومن أبرز ما جاء في الهجاء في العصر الجاهلي قول الحطيئة يهجو قُدامة العبسي وقومه:[٥]


قُدامَةُ أَمسى يَعرُكُ الجَهلُ أَنفَهُ بِجَدّاءَ لَم يُعرَك بِها أَنفُ فاخِرِ فَخَرتُم وَلَم نَعلَم بِحادِثِ مَجدِكُم فَهاتِ هَلُمَّ بَعدَها لِلتَنافُرِ وَمَن أَنتُمُ إِنّا نَسينا مَنَ أنتُمُ وَريحُكُمُ مِن أَيِّ ريحِ الأَعاصِرِ فَهَذي الَّتي تَأتي عَلى كُلِّ مَنهَجٍ تَبوعُ أَمِ القَعواءُ خَلفَ الدَوابِرِ مَتى جِئتُمُ إِنّا رَأَينا شُخوصَكُم ضِئالاً فَما إِن بَينَنا مِن تَفاكُرِ وَأَنتُم أُلى جِئتُم مَعَ البَقلِ وَالدَبا فَطارَ وَهَذا شَخصُكُم غَيرُ طائِرِ أَريحوا البِلادَ مِنكُمُ وَدَبيبُكُم بِأَعراضِنا فِعلُ الإِماءِ العَواهِرِ



أنواع الهجاء في الشعر الجاهلي

أشار بعض الدارسين إلى أنّ الشعراء في فنّ الهجاء في العصر الجاهلي ساروا على نهجين أو طريقتين في هجائهم، وبناء على ذلك يمكن أن يُقسّم فنّ الهجاء إلى نوعين رئيسين، يمكن توضيحهما على النحو الآتي:[٦]


الهجاء العفيف

فيه يلجأ الشاعر إلى أسلوب التلميح ومقارنة الخصم بغيره وتفضيله عليه، ويعدّ هذا الأسلوب أكثر ذكاءً وإيجاعًا من الأسلوب الثاني؛ فالشاعر فيه يكسب السامع أو القارئ ولا يُنفّره، ومثال ذلك قول الشاعر أوس بن حجر:[٧]


إِذا ناقَةٌ شُدَّت بِرَحلٍ وَنُمرُقٍ إِلى حَكَمٍ بَعدي فَضَلَّ ضَلالُها كَأَنَّ بِهِ إِذ جِئتَهُ خَيبَرِيَّةً يَعودُ عَلَيهِ وِردُها وَمُلالُها كَأَنّي حَلَوتُ الشِعرَ حينَ مَدَحتُهُ صَفا صَخرَةٍ صَمّاءَ يَبسٍ بِلالُها أَلا تَقبَلُ المَعروفَ مِنّا تَعاوَرَت مَنولَةُ أَسيافاً عَلَيكَ ظِلالُها هَمَمتَ بِخَيرٍ ثُمَّ قَصَّرتَ دونَهُ كَما ناءَتِ الرَجزاءُ شُدَّ عِقالُها مَنَعتَ قَليلاً نَفعُهُ وَحَرَمتَني قَليلاً فَهَبها بَيعَةً لا تُقالُها تَلَقَّيتَني يَومَ النُجَيرِ بِمَنطِقٍ تَرَوَّحُ أَرطى سُعدَ مِنهُ وَضالُها



الهجاء المُقذِع

فيه يلجأ الشاعر إلى أسلوب الذكر الصريح للخصم والهجاء المباشر له وما يُصاحب ذلك من تهديد ووعيد وإنذار وشتم، ولأنّ الشاعر في هذا الأسلوب يبدأ بالخصومة ويُجاهر بالعداوة يمكن أن يشعر السامع أنّ المهجوّ هو المظلوم، فينفر من سماع القصيدة، ومثال ذلك قول الشاعر الحطيئة يهجو أمه:[٨]


جَزاكِ اللَهُ شَرّاً مِن عَجوزٍ وَلَقّاكِ العُقوقَ مِنَ البَنينا تَنَحَّي فَاِجلِسي مِنّا بَعيداً أَراحَ اللَهُ مِنكِ العالَمينا أَغِربالاً إِذا اِستودِعتِ سِرّاً وَكانوناً عَلى المُتَحَدِّثينا أَلَم أوضِح لَكِ البَغضاءَ مِنّي وَلَكِن لا إِخالُكِ تَعقِلينا حَياتُكِ ما عَلِمتُ حَياةُ سوءٍ وَمَوتُكِ قَد يَسُرُّ الصالِحينا



خصائص شعر الهجاء في العصر الجاهلي

اتسم شعر الهجاء في العصر الجاهلي بعدد من الخصائص والسمات، منها ما يأتي ذكره:[٩][١٠]

  • قِصَر قصائد الهجاء، فأكثره جاء ببعض الأبيات القصيرة لا القصائد الطويلة، الأمر الذي ساهم في انتشاره وشهرته.
  • تظهر فيه بصورة عامّة صفة العفّة، فلم يصل إلى حدّ الفُحش والسّب الجارح إلا عند الحطئية في بعض الأبيات.
  • يعدّ شعر الهجاء أقرب إلى اللوم والعتاب.
  • الوضوح والبساطة وقلة الصنعة والتكلّف.

المراجع

  1. شوقي ضيف، العصر الجاهلي، صفحة 198. بتصرّف.
  2. علي الجندي، في تاريخ الأدب الجاهلي، صفحة 443-444. بتصرّف.
  3. شوقي ضيف، العصر الجاهلي، صفحة 200. بتصرّف.
  4. يحيى الجبوري، الشعر الجاهلي خصائصه وفنونه، صفحة 340. بتصرّف.
  5. الحطيئة، ديوان الحطيئة، صفحة 111. بتصرّف.
  6. يحيى الجبوري، الشعر الجاهلي خصائصه وفنونه، صفحة 352. بتصرّف.
  7. أوس بن حجر، ديوان أوس بن حجر، صفحة 100. بتصرّف.
  8. الحطيئة، ديوان الحطيئة، صفحة 186. بتصرّف.
  9. علي الجندي، في تاريخ الأدب الجاهلي، صفحة 378. بتصرّف.
  10. يحيى الجبوري، الشعر الجاهلي خصائصه وفنونه، صفحة 359. بتصرّف.