ولد الشاعر نزار قباني في حي (مأذنة الشحم)، في مدينة دمشق القديمة، بتاريخ 21 مارس عام 1923م، أسس دار نشر لنشر أعماله سماها(منشورات نزار قباني)، وبلغ عدد دواوينه الشعرية 36 ديوانًا، وله عدد لا يحصى من القصائد الشعرية، وعدد من الكتب الأدبية النثرية.[١]


من قصيدة بلقيس

يقول نزار قباني:[٢]

شكراً لكم ..

شكراً لكم . .

فحبيبتي قتلت .. وصار بوسعكم

أن تشربوا كأساً على قبر الشهيدة

وقصيدتي اغتيلت ..

وهل من أمـةٍ في الأرض ..

إلا نحن تغتال القصيدة ؟

بلقيس ...

كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل

بلقيس ..

كانت أطول النخلات في أرض العراق

كانت إذا تمشي ..

ترافقها طواويسٌ ..

وتتبعها أيائل ..

بلقيس.. يا وجعي..

ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل

هل يا ترى ..

من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل ؟

يا نينوى الخضراء..

يا غجريتي الشقراء..

يا أمواج دجلة..

تلبس في الربيع بساقها

أحلى الخلاخل..

قتلوك يا بلقيس..

أية أمةٍ عربيةٍ..

تلك التي تغتال أصوات البلابل ؟

أين السموأل ؟

والمهلهل؟

والغطاريف الأوائل؟

فقبائلٌ أكلت قبائل ..

وثعالبٌ قتـلت ثعالب ..

وعناكبٌ قتلت عناكب ..

قسماً بعينيك اللتين إليهما ..

تأوي ملايين الكواكب ..

سأقول ، يا قمري ، عن العرب العجائب

فهل البطولة كذبةٌ عربيةٌ ؟

أم مثلنا التاريخ كاذب ؟.

بلقيس

لا تتغيبي عني

فإن الشمس بعدك

لا تضيء على السواحل . .

سأقول في التحقيق :

إن اللص أصبح يرتدي ثوب المقاتل

وأقول في التحقيق :

إن القائد الموهوب أصبح كالمقاول ..

وأقول :

إن حكاية الإشعاع ، أسخف نكتةٍ قيلت ..

فنحن قبيلةٌ بين القبائل

هذا هو التاريخ . . يا بلقيس ..

كيف يفرق الإنسان ..

ما بين الحدائق والمزابل

بلقيس ..

أيتها الشهيدة .. والقصيدة ..

والمطهرة النقية ..

سبـأٌ تفتش عن مليكتها

فردي للجماهير التحية ..

يا أعظم الملكات ..

يا امرأةً تجسد كل أمجاد العصور السومرية

بلقيس ..

يا عصفورتي الأحلى ..

ويا أيقونتي الأغلى

ويا دمعاً تناثر فوق خد المجدلية

أترى ظلمتك إذ نقلتك

ذات يومٍ .. من ضفاف الأعظمية

بيروت .. تقتل كل يومٍ واحداً منا ..

وتبحث كل يومٍ عن ضحية

والموت .. في فنجان قهوتنا ..

وفي مفتاح شقتنا ..

وفي أزهار شرفتنا ..

وفي ورق الجرائد ..

والحروف الأبجدية ...

ها نحن .. يا بلقيس ..

ندخل مرةً أخرى لعصر الجاهلية ..

ها نحن ندخل في التوحش ..

والتخلف .. والبشاعة .. والوضاعة ..

ندخل مرةً أخرى .. عصور البربرية ..

حيث الكتابة رحلةٌ

بين الشظية .. والشظية

حيث اغتيال فراشةٍ في حقلها ..

صار القضية ..


قصيدة أسألك الرحيلا

يقول نزار قباني:[٢]

لنفترق قليلا..

لخير هذا الحب يا حبيبي

وخيرنا..

لنفترق قليلا

لأنني أريد أن تزيد في محبتي

أريد أن تكرهني قليلا

بحق ما لدينا..

من ذكرٍ غاليةٍ كانت على كلينا..

بحق حبٍ رائعٍ..

ما زال منقوشاً على فمينا

ما زال محفوراً على يدينا..

بحق ما كتبته..إلي من رسائل..

ووجهك المزروع مثل وردةٍ في داخلي..

وحبك الباقي على شعري على أناملي

بحق ذكرياتنا

وحزننا الجميل وابتسامنا

وحبنا الذي غدا أكبر من كلامنا

أكبر من شفاهنا..

بحق أحلى قصة للحب في حياتنا

أسألك الرحيلا

لنفترق أحبابا..

فالطير في كل موسمٍ..

تفارق الهضابا..

والشمس يا حبيبي..

تكون أحلى عندما تحاول الغيابا

كن في حياتي الشك والعذابا

كن مرةً أسطورةً..

كن مرةً سرابا..

وكن سؤالاً في فمي

لا يعرف الجوابا

من أجل حبٍ رائعٍ

يسكن منا القلب والأهدابا

وكي أكون دائماً جميلةً

وكي تكون أكثر اقترابا

أسألك الذهابا..

لنفترق.. ونحن عاشقان..

لنفترق برغم كل الحب والحنان

فمن خلال الدمع يا حبيبي

أريد أن تراني

ومن خلال النار والدخان

أريد أن تراني..

لنحترق.. لنبك يا حبيبي

فقد نسينا

نعمة البكاء من زمان

لنفترق..

كي لا يصير حبنا اعتيادا

وشوقنا رمادا..

وتذبل الأزهار في الأواني..

كن مطمئن النفس يا صغيري

فلم يزل حبك ملء العين والضمير

ولم أزل مأخوذةً بحبك الكبير

ولم أزل أحلم أن تكون لي..

يا فارسي أنت ويا أميري

لكنني.. لكنني..

أخاف من عاطفتي

أخاف من شعوري

أخاف أن نسأم من أشواقنا

أخاف من وصالنا..

أخاف من عناقنا..

فباسم حبٍ رائعٍ

أزهر كالربيع في أعماقنا..

أضاء مثل الشمس في أحداقنا

وباسم أحلى قصةٍ للحب في زماننا

أسألك الرحيلا..

حتى يظل حبنا جميلا..

حتى يكون عمره طويلا..

أسألك الرحيلا..


قصيدة صباحك سكر

يقول نزار قباني:[٢]

إذا مر يومٌ. ولم أتذكر

به أن أقول: صباحك سكر...

ورحت أخط كطفلٍ صغير

كلاماً غريباً على وجه دفتر

فلا تضجري من ذهولي وصمتي

ولا تحسبي أن شيئاً تغير

فحين أنا . لا أقول: أحب..

فمعناه أني أحبك أكثر.

إذا جئتني ذات يوم بثوبٍ

كعشب البحيرات.. أخضر .. أخضر

وشعرك ملقىً على كتفيك

كبحرٍ.. كأبعاد ليلٍ مبعثر..

ونهدك.. تحت ارتفاف القميص

شهي.. شهي.. كطعنة خنجر

ورحت أعب دخاني بعمقٍ

وأرشف حبر دواتي وأسكر

فلا تنعتيني بموت الشعور

ولا تحسبي أن قلبي تحجر

فبالوهم أخلق منك إلهاً

وأجعل نهدك.. قطعة جوهر

وبالوهم.. أزرع شعرك دفلى

وقمحاً.. ولوزاً.. وغابات زعتر..

إذا ما جلست طويلاً أمامي

كمملكةٍ من عبيرٍ ومرمر..

وأغمضت عن طيباتك عيني

وأهملت شكوى القميص المعطر

فلا تحسبي أنني لا أراك

فبعض المواضيع بالذهن يبصر

ففي الظل يغدو لعطرك صوتٌ

وتصبح أبعاد عينيك أكبر

أحبك فوق المحبة.. لكن

دعيني أراك كما أتصور..


قصيدة أطفال الحجارة

يقول نزار قباني:[٣]

بهروا الدنيا..

وما في يدهم إلا الحجارة..

وأضاؤوا كالقناديل، وجاؤوا كالبشارة

قاوموا.. وانفجروا.. واستشهدوا..

وبقينا دبباً قطبيةً

صفحت أجسادها ضد الحرارة..

قاتلوا عنا إلى أن قتلوا..

وجلسنا في مقاهينا.. كبصاق المحارة

واحدٌ يبحث منا عن تجارة..

واحدٌ.. يطلب ملياراً جديداً..

وزواجاً رابعاً..

ونهوداً صقلتهن الحضارة..

واحدٌ.. يبحث في لندن عن قصرٍ منيفٍ

واحدٌ.. يعمل سمسار سلاح..

واحدٌ.. يطلب في البارات ثأره..

واحدٌ.. يبحث عن عرشٍ وجيشٍ وإمارة..

آه.. يا جيل الخيانات..

ويا جيل العمولات..

ويا جيل النفايات

ويا جيل الدعارة..

سوف يجتاحك – مهما أبطأ التاريخ-

أطفال الحجارة..


من قصيدة القدس

يقول نزار قباني:[٢]

بكيت.. حتى انتهت الدموع

صليت.. حتى ذابت الشموع

ركعت.. حتى ملني الركوع

سألت عن محمد، فيك وعن يسوع

يا قدس، يا مدينة تفوح أنبياء

يا أقصر الدروب بين الأرض والسماء

يا قدس، يا منارة الشرائع

يا طفلةً جميلةً محروقة الأصابع

حزينةٌ عيناك، يا مدينة البتول

يا واحةً ظليلةً مر بها الرسول

حزينةٌ حجارة الشوارع

حزينةٌ مآذن الجوامع

يا قدس، يا جميلةً تلتف بالسواد

من يقرع الأجراس في كنيسة القيامة؟

صبيحة الآحاد..

من يحمل الألعاب للأولاد؟

في ليلة الميلاد..

يا قدس، يا مدينة الأحزان

يا دمعةً كبيرةً تجول في الأجفان

من يوقف العدوان؟

عليك، يا لؤلؤة الأديان

من يغسل الدماء عن حجارة الجدران؟

من ينقذ الإنجيل؟

من ينقذ القرآن؟


القصيدة الدمشقية

يقول نزار قباني:[٣]

هذي دمشق.. وهذي الكأس والراح

إني أحب... وبعـض الحـب ذباح

أنا الدمشقي.. لو شرحتم جسدي

لسـال منه عناقيـدٌ.. وتفـاح

ولو فتحـتم شراييني بمديتكـم

سمعتم في دمي أصوات من راحوا

زراعة القلب.. تشفي بعض من عشقوا

وما لقلـبي –إذا أحببـت جـراح

مآذن الشـام تبكـي إذ تعانقـني

وللمـآذن.. كالأشجار.. أرواح

للياسمـين حقـوقٌ في منازلنـا..

وقطة البيت تغفو حيث ترتـاح

طاحونة البن جزءٌ من طفولتي

فكيف أنسى؟ وعطر الهيل فواح

هذا مكان "أبي المعتز".. منتظرٌ

ووجه "فائزةٍ" حلوٌ ولمـاح

هنا جذوري.. هنا قلبي... هنا لغـتي

فكيف أوضح؟ هل في العشق إيضاح؟

كم من دمشقيةٍ باعـت أسـاوره

حتى أغازلها... والشعـر مفتـاح

أتيت يا شجر الصفصاف معتذر

فهل تسامح هيفاءٌ ..ووضـاح؟

خمسون عاماً.. وأجزائي مبعثرةٌ..

فوق المحيط.. وما في الأفق مصباح

تقاذفتني بحـارٌ لا ضفـاف لها..

وطاردتني شيـاطينٌ وأشبـاح

أقاتل القبح في شعري وفي أدبي

حتى يفتـح نوارٌ... وقـداح

ما للعروبـة تبدو مثل أرملةٍ؟

أليس في كتب التاريخ أفراح؟

والشعر.. ماذا سيبقى من أصالته؟

إذا تولاه نصـابٌ ... ومـداح؟

وكيف نكتب والأقفال في فمنا؟

وكل ثانيـةٍ يأتيـك سـفاح؟

حملت شعري على ظهري فأتعبني

ماذا من الشعر يبقى حين يرتاح؟


قصيدة قارئة الفنجان

يقول نزار قباني:[٢]

جَلَسَت والخوفُ بعينيها

تتأمَّلُ فنجاني المقلوب

قالت:

يا ولدي.. لا تَحزَن

فالحُبُّ عَليكَ هوَ المكتوب

يا ولدي،

قد ماتَ شهيداً

من ماتَ على دينِ المحبوب

فنجانك دنيا مرعبةٌ

وحياتُكَ أسفارٌ وحروب..

ستُحِبُّ كثيراً يا ولدي..

وتموتُ كثيراً يا ولدي

وستعشقُ كُلَّ نساءِ الأرض..

وتَرجِعُ كالملكِ المغلوب

بحياتك يا ولدي امرأةٌ

عيناها، سبحانَ المعبود

فمُها مرسومٌ كالعنقود

ضحكتُها موسيقى و ورود

لكنَّ سماءكَ ممطرةٌ..

وطريقكَ مسدودٌ.. مسدود

فحبيبةُ قلبكَ.. يا ولدي

نائمةٌ في قصرٍ مرصود

والقصرُ كبيرٌ يا ولدي

وكلابٌ تحرسُهُ.. وجنود

وأميرةُ قلبكَ نائمةٌ..

من يدخُلُ حُجرتها مفقود..

من يطلبُ يَدَها..

من يَدنو من سورِ حديقتها.. مفقود

من حاولَ فكَّ ضفائرها..

يا ولدي..

مفقودٌ.. مفقود

بصَّرتُ.. ونجَّمت كثيراً

لكنّي.. لم أقرأ أبداً

فنجاناً يشبهُ فنجانك

لم أعرف أبداً يا ولدي..

أحزاناً تشبهُ أحزانك

مقدُورُكَ.. أن تمشي أبداً

في الحُبِّ .. على حدِّ الخنجر

وتَظلَّ وحيداً كالأصداف

وتظلَّ حزيناً كالصفصاف

مقدوركَ أن تمضي أبداً..

في بحرِ الحُبِّ بغيرِ قُلوع

وتُحبُّ ملايينَ المَرَّاتِ...

وترجعُ كالملكِ المخلوع..

المراجع

  1. دار الكتاب الثقافي، قباني&hl=en&sa=X&ved=0ahUKEwi4jr_NkrfmAhXXiFwKHfGkAKgQ6AEITzAF#v=onepage&q&f=false جدلية نزار قباني في النقد العربي الحديث، صفحة 1-12. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث ج نزار قباني، ديوان نزار قباني، صفحة 9.
  3. ^ أ ب ديوان نزار قباني