يُعرف أبو الفراس الحمداني الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون الحمداني بأنّه شاعر مُجيد وفارس مغوار، اشتهر بقدرته الشعرية بين أدباء عصره، وجودة قصائده وجزالة ألفاظها، ومن الجدير بالذكر أنّ أبا فراس هو ابن سيف الدولة الحمداني، والذي كان على اتصال دائم به؛ إذ يصطحبه معه في غزواته ويستخلفه على أعماله، ويحضر معه مجالسه المختلفة بين العلماء والأدباء والمثقفين، الأمر الذي ساهم في أن يقوى عوده في الشعر ويُنافس الأدباء، وقد نظم الحمداني في العديد من الأغراض الشعرية، كالمدح، والفخر، وغيرها، وفي هذا المقال ذكر لمجموعة من قصائد أبي فراس الحمداني التي يفخر فيها بنفسه وبصفاته وبقومه أيضًا.[١]


من قصيدة لعل خيال العامرية زائر

يقول الحمداني في بعض أبيات هذه القصيدة الطويلة جدًا:[٢]


فَإِن تَمضِ أَشياخي فَلَم يَمضِ مَجدَها وَلا دَثَرَت تِلكَ العُلى وَالمَآثِرُ نَشيدُ كَما شادوا وَنَبني كَما بَنَوا لَنا شَرَفٌ ماضٍ وَآخَرُ حاضِرُ فَفينا لِدينِ اللَهِ عِزٌّ وَمَنعَةٌ وَفينا لِدينِ اللَهِ سَيفٌ وَناصِرُ هُما وَأَميرُ المُؤمِنينَ مُشَرَّدٌ أَجاراهُ لَمّا لَم يَجِد مَن يُجاوِرُ وَرَدّاهُ حَتّى مَلَّكاهُ سَريرَهُ بِعِشرينَ أَلفاً بَينَها المَوتُ سافِرُ وَساسا أُمورَ المُسلِمينَ سِياسَةً لَها اللَهُ وَالإِسلامُ وَالدينُ شاكِرُ وَلَمّا طَغى عِلجُ العِراقِ اِبنُ رائِقٍ شَفى مِنهُ لا طاغٍ وَلا مُتَكاثِرُ إِذِ العَرَبُ العَرباءُ تَبني عِمادَهُ وَمِنّا لَهُ طاوٍ عَلى الثَأرِ ذاكِرُ أَذاقَ العَلاءَ التَغلِبِيَّ وَرَهطَهُ عَواقِبَ ما جَرَّت عَلَيهِ الجَرائِرُ وَأَوطَأَ حِصنَي وَرتَنيسَ خُيولُهُ وَقَبلَهُما لَم يَقرَعِ النَجمَ حافِرُ فَآبَ بِأَسراها تُغَنّي كُبولَها وَتِلكَ غَوانٍ ما لَهُنَّ مَزاهِرُ وَأَطلَقَها فَوضى عَلى مَرجِ قِلِّزٍ حَوادِرَ في أَشباحِهِنَّ المَحاذِرُ وَصَبَّ عَلى الأَتراكِ نِقمَةَ مُنعِمٍ رَماهُ بِكُفرانِ الصَنيعَةِ غادِرُ وَإِنَّ مَعاليهِ لَكُثرٌ غَوالِبٌ وَإِنَّ أَياديهِ لَغُرٌّ غَرائِرُ



قصيدة أبت عبراته إلا انسكابا

يقول أبو فراس الحمداني في هذه القصيدة:[٣]


أَبَت عَبَراتُهُ إِلّا اِنسِكابا وَنارُ غَرامِهِ إِلّا اِلتِهابا وَمِن حَقِّ الطُلولِ عَلَيَّ أَلّا أُغِبَّ مِنَ الدُموعِ لَها سَحابا وَما قَصَّرتُ في تَسآلِ رَبعٍ وَلَكِنّي سَأَلتُ فَما أَجابا رَأَيتُ الشَيبَ لاحَ فَقُلتُ أَهلاً وَوَدَّعتُ الغَوايَةَ وَالشَبابا وَما إِن شِبتُ مِن كِبَرٍ وَلَكِن رَأَيتُ مِنَ الأَحِبَّةِ ما أَشابا بَعَثنَ مِنَ الهُمومِ إِلَيَّ رَكباً وَصَيَّرنَ الصُدودَ لَها رِكابا أَلَم تَرَنا أَعَزَّ الناسِ جاراً وَأَمرَعُهُم وَأَمنَعُهُم جَنابا لَنا الجَبَلُ المُطِلُّ عَلى نِزارٍ حَلَلنا النَجدَ مِنهُ وَالهِضابا تُفَضِّلُنا الأَنامُ وَلا تُحاشي وَنوصَفُ بِالجَميلِ وَلا نُحابى وَقَد عَلِمَت رَبيعَةُ بَل نِزارٌ بِأَنّا الرَأسُ وَالناسُ الذُنابى وَلَمّا أَن طَغَت سُفَهاءُ كَعبٍ فَتَحنا بَينَنا لِلحَربِ بابا مَنَحناها الحَرائِبَ غَيرَ أَنّا إِذا جارَت مَنَحناها الحِرابا وَلَمّا ثارَ سَيفُ الدينِ ثُرنا كَما هَيَّجتَ آساداً غِضابا أَسِنَّتُهُ إِذا لاقى طِعاناً صَوارِمُهُ إِذا لاقى ضِرابا دَعانا وَالأَسِنَّةُ مُشرَعاتٌ فَكُنّا عِندَ دَعوَتِهِ الجَوابا صَنائِعُ فاقَ صانِعُها فَفاقَت وَغَرسٌ طابَ غارِسُهُ فَطابا وَكُنّا كَالسِهامِ إِذا أَصابَت مَراميها فَراميها أَصابا



قصيدة أراك عصي الدمع

قال أبو فراس الحمداني قصيدته هذه "أراك عصي الدمع" مفتخرًا ومعتزًا بنفسه وبقومه، ومن أبياتها الآتي:[٤]


أَراكَ عَصِيَّ الدَمعِ شيمَتُكَ الصَبرُ أَما لِلهَوى نَهيٌ عَلَيكَ وَلا أَمرُ بَلى أَنا مُشتاقٌ وَعِندِيَ لَوعَةٌ وَلَكِنَّ مِثلي لا يُذاعُ لَهُ سِرُّ إِذا اللَيلُ أَضواني بَسَطتُ يَدَ الهَوى وَأَذلَلتُ دَمعاً مِن خَلائِقِهِ الكِبرُ تَكادُ تُضيءُ النارُ بَينَ جَوانِحي إِذا هِيَ أَذكَتها الصَبابَةُ وَالفِكرُ مُعَلِّلَتي بِالوَصلِ وَالمَوتُ دونَهُ إِذا مِتَّ ظَمآناً فَلا نَزَلَ القَطرُ حَفِظتُ وَضَيَّعتِ المَوَدَّةَ بَينَنا وَأَحسَنَ مِن بَعضِ الوَفاءِ لَكِ العُذرُ وَما هَذِهِ الأَيّامُ إِلّا صَحائِفٌ لِأَحرُفِها مِن كَفِّ كاتِبِها بَشرُ بِنَفسي مِنَ الغادينَ في الحَيِّ غادَةً هَوايَ لَها ذَنبٌ وَبَهجَتُها عُذرُ تَروغُ إِلى الواشينَ فِيَّ وَإِنَّ لي لَأُذناً بِها عَن كُلِّ واشِيَةٍ وَقرُ بَدَوتُ وَأَهلي حاضِرونَ لِأَنَّني أَرى أَنَّ داراً لَستِ مِن أَهلِها قَفرُ وَحارَبتُ قَومي في هَواكِ وَإِنَّهُم وَإِيّايَ لَولا حُبَّكِ الماءُ وَالخَمرُ فَإِن يَكُ ما قالَ الوُشاةُ وَلَم يَكُن فَقَد يَهدِمُ الإيمانُ ماشَيَّدَ الكُفرُ وَفَيتُ وَفي بَعضِ الوَفاءِ مَذَلَّةٌ لِإِنسانَةٍ في الحَيِّ شيمَتُها الغَدرُ وَقورٌ وَرَيعانُ الصِبا يَستَفِزُّها فَتَأرَنُ أَحياناً كَما أَرِنَ المُهرُ تُسائِلُني مَن أَنتَ وَهيَ عَليمَةٌ وَهَل بِفَتىً مِثلي عَلى حالِهِ نُكرُ فَقُلتُ كَما شاءَت وَشاءَ لَها الهَوى قَتيلُكِ قالَت أَيَّهُم فَهُمُ كُثرُ فَقُلتُ لَها لَو شِئتِ لَم تَتَعَنَّتي وَلَم تَسأَلي عَنّي وَعِندَكِ بي خُبرُ فَقالَت لَقَد أَزرى بِكَ الدَهرُ بَعدَنا فَقُلتُ مَعاذَ اللَهِ بَل أَنتِ لا الدَهرُ وَما كانَ لِلأَحزانِ لَولاكِ مَسلَكٌ إِلى القَلبِ لَكِنَّ الهَوى لِلبِلى جِسرُ وَتَهلِكُ بَينَ الهَزلِ وَالجَدِّ مُهجَةٌ إِذا ما عَداها البَينُ عَذَّبَها الهَجرُ فَأَيقَنتُ أَن لا عِزَّ بَعدي لِعاشِقٍ وَأَنَّ يَدي مِمّا عَلِقتُ بِهِ صِفرُ وَقَلَّبتُ أَمري لا أَرى لِيَ راحَةً إِذا البَينُ أَنساني أَلَحَّ بِيَ الهَجرُ فَعُدتُ إِلى حُكمِ الزَمانِ وَحُكمِها لَها الذَنبُ لا تُجزى بِهِ وَلِيَ العُذرُ كَأَنّي أُنادي دونَ مَيثاءَ ظَبيَةً عَلى شَرَفٍ ظَمياءَ جَلَّلَها الذُعرُ تَجَفَّلُ حيناً ثُمَّ تَرنو كَأَنَّها تُنادي طَلاً بِالوادِ أَعجَزَهُ الخُضرُ فَلا تُنكِريني يا اِبنَةَ العَمِّ إِنَّهُ لِيَعرِفُ مَن أَنكَرتِهِ البَدوُ وَالحَضرُ وَلا تُنكِريني إِنَّني غَيرُ مُنكِرٍ إِذا زَلَّتِ الأَقدامُ وَاِستُنزِلَ النَصرُ وَإِنّي لَجَرّارٌ لِكُلِّ كَتيبَةٍ مُعَوَّدَةٍ أَن لايُخِلَّ بِها النَصرُ وَإِنّي لَنَزّالٌ بِكُلِّ مَخوفَةٍ كَثيرٌ إِلى نُزّالِها النَظَرُ الشَزرُ فَأَظمَأُ حَتّى تَرتَوي البيضُ وَالقَنا وَأَسغَبُ حَتّى يَشبَعَ الذِئبُ وَالنَسرُ وَلا أُصبِحُ الحَيَّ الخَلوفَ بِغارَةٍ وَلا الجَيشَ مالَم تَأتِهِ قَبلِيَ النُذرُ



قصيدة غيري يغيره الفعال الجافي

يقول فيها أبو فراس الحمداني:[٥]


غَيري يُغَيِّرُهُ الفَعالُ الجافي وَيَحولُ عَن شِيَمِ الكَريمِ الوافي لا أَرتَضي وُدّاً إِذا هُوَ لَم يَدُم عِندَ الجَفاءِ وَقِلَّةِ الإِنصافِ تَعِسَ الحَريصُ وَقَلَّ ما يَأتي بِهِ عِوَضاً مِنَ الإِلحاحِ وَالإِلحافِ إِنَّ الغَنِيَّ هُوَ الغَنِيُّ بِنَفسِهِ وَلَوْ أَنَّهُ عاري المَناكِبِ حافِ ماكُلُّ مافَوقَ البَسيطَةِ كافِياً فَإِذا قَنِعتَ فَكُلُّ شَيءٍ كافِ وَتَعافُ لي طَمَعَ الحَريصِ أُبُوَّتي وَمُروءَتي وَقَناعَتي وَعَفافي ما كَثرَةُ الخَيلِ الجِيادِ بِزائِدي شَرَفاً وَلا عَدَدُ السَوامِ الضافي خَيلي وَإِن قَلَّت كَثيرٌ نَفعُها بَينَ الصَوارِمِ وَالقَنا الرَعّافِ وَمَكارِمي عَدَدُ النُجومِ وَمَنزِلي مَأوى الكِرامِ وَمَنزِلُ الأَضيافِ لا أَقتَني لِصُروفِ دَهري عُدَّةً حَتّى كَأَنَّ صُروفُهُ أَحلافي شِيَمٌ عُرِفتُ بِهِنَّ مُذ أَنا يافِعٌ وَلَقَد عَرَفتُ بِمِثلِها أَسلافي



من قصيدة أقلي فأيام المحب قلائل

يقول أبو فراس الحمداني في أبيات من هذه القصيدة مفتخرًا بنفسه وبسيفه الذي أوصله إلى المعالي:[٦]


فَمِثلِيَ مَن نالَ المَعالي بِنَفسِهِ وَرُبَّتَما غالَتهُ عَنها الغَوائِلُ وَما كُلُّ طُلّابٍ مِنَ الناسِ بالِغٌ وَلا كُلُّ سَيّارٍ إِلى المَجدِ واصِلُ وَإِنَّ مُقيماً مَنهَجَ العَجزِ خائِبٌ وَإِنَّ مُريغاً خائِبَ الجُهدِ نائِلُ وَما المَرءُ إِلّا حَيثُ يَجعَلُ نَفسَهُ وَإِنّي لَها فَوقَ السَماكَينِ جاعِلُ وَلِلوَفرِ مِتلافٌ وَلِلحَمدِ جامِعٌ وَلِلشَرِّ تَرّاكٌ وَلِلخَيرِ فاعِلُ وَما لِيَ لا تُمسي وَتُصبِحُ في يَدي كَرائِمُ أَموالِ الرِجالِ العَقائِلُ أُحَكِّمُ في الأَعداءِ مِنها صَوارِماً أُحَكِّمُها فيها إِذا ضاقَ نازِلُ وَما نالَ مَحمِيُّ الرَغائِبِ عَنوَةً سِوى ما أَقَلَّت في الجُفونِ الحَمائِلُ



قصيدة زماني كله غضب وعتب

يقول أبو فراس الحمداني:[٧]


زَمانِيَ كُلَّهُ غَضَبٌ وَعَتبُ وَأَنتَ عَلَيَّ وَالأَيّامُ إِلبُ وَعَيشُ العالَمينَ لَدَيكَ سَهلٌ وَعَيشي وَحدَهُ بِفَناكَ صَعبُ وَأَنتَ وَأَنتَ دافِعُ كُلِّ خَطبٍ مَعَ الخَطبِ المُلِمِّ عَلَيَّ خَطبُ إِلى كَم ذا العِقابُ وَلَيسَ جُرمٌ وَكَم ذا الاِعتِذارُ وَلَيسَ ذَنبُ فَلا بِالشامِ لَذَّ بَفِيِّ شُربٍ وَلا في الأَسرِ رَقَّ عَلَيَّ قَلبُ فَلا تَحمِل عَلى قَلبٍ جَريحٍ بِهِ لِحَوادِثِ الأَيّامِ نَدبُ أَمِثلي تُقبِلُ الأَقوالُ فيهِ وَمِثلُكَ يَستَمِرُّ عَلَيهِ كِذبُ جَنانِيَ ما عَلِمتَ وَلي لِسانٌ يَقُدُّ الدَرعَ وَالإِنسانَ عَضبُ وَزَندي وَهوَ زَندُكَ لَيسَ يَكبو وَناري وَهيَ نارُكَ لَيسَ تَخبو وَفَرعي فَرعُكَ السامي المُعَلّى وَأَصلي أَصلُكَ الزاكي وَحَسبُ لِإِسمَعيلَ بي وَبَنيهِ فَخرٌ وَفي إِسحَقَ بي وَبَنيهِ عُجبُ وَأَعمامي رَبيعَةُ وَهيَ رَصَيدٌ وَأَخوالي بَلَصفَرَ وَهيَ غُلبُ وَفَضلي تَعجِزُ الفُضَلاءُ عَنهُ لِأَنَّكَ أَصلُهُ وَالمَجدُ تِربُ فَدَت نَفسي الأَميرَ كَأَنَّ حَظّي وَقُربي عِندَهُ ما دامَ قُربُ فَلَمّا حالَتِ الأَعداءُ دوني وَأَصبَحَ بَينَنا بَحرٌ وَدَربُ ظَلِلتَ تُبَدِّلُ الأَقوالَ بَعدي وَيَبلُغُني اِغتِيابُكَ ما يُغِبُّ فَقُل ما شِئتَ فِيَّ فَلي لِسانٌ مَليءٌ بِالثَناءِ عَلَيكَ رَطبُ وَعامِلني بِإِنصافٍ وَظُلمٍ تَجِدني في الجَميعِ كَما تُحِبُّ


المراجع

  1. خليل الدويهي، ديوان أبي فراس الحمداني، صفحة 8. بتصرّف.
  2. منى المطرفي، الفخر الذاتي في شعر أبي فراس الحمداني، صفحة 9. بتصرّف.
  3. خليل الدويهي، ديوان أبي فراس الحمداني، صفحة 33. بتصرّف.
  4. "أراك عصي الدمع"، الديوان. بتصرّف.
  5. خليل الدويهي، ديوان أبي فراس الحمداني، صفحة 223. بتصرّف.
  6. منى المطرفي، الفخر الذاتي في شعر أبي فراس الحمداني، صفحة 13. بتصرّف.
  7. "زماني كله غضب وعتب"، الديوان. بتصرّف.