مفهوم الشّعر

لقد ارتبط مفهوم الشّعر عند العرب القدامى بالكلام الموزون المقفّى، غير أنّه بالتّأكيد يحمل معنًى أشمل وأدقّ. نستطيع القول إن الشّعر يلزم فيه أيضًا، إلى جانب الوزن والقافية، قوّة التّعبير، وعمق المعنى، وتناسق الألفاظ، وجمال الأسلوب، ويقول مصطفى حركات، في تعريفه للشّعر، في كتابه (أوزان الشّعر): "يجوز لنا أنْ نعرّف الشّعر بأنّه إنتاج أدبيّ خضع في القديم إلى الوزن، وما زالت حتّى الآن أصنافٌ منه تخضع إلى هذا الوزن بصفةٍ تقليديّة أو مجدّدة" وقد جاء علم العَروض لدراسة أوزان الشّعر هذه، ولتعريف الوحدات المكوّنة لهذا الوزن، وتحديد قوانين تركيبها، ووضع القواعد الّتي تحكم القصيدة العربيّة.[١]


نشأة الشّعر الحرّ

بعد عدّة محاولاتٍ من الشّعراء لاستحداث لونٍ شعريٍّ جديد، يكون خير سبيل لهم في بثّ مشاعرهم وأفكارهم وأحاسيسهم، يعبّرون فيه عن أنفسهم وعن الطّبيعة، توصّلوا إلى الشّعر الحرّ، الّذي رأوا أنّ جذوره في التّاريخ العربيّ، كانت تمتدّ إلى ما قبل العصر الحديث، فقد ظهر البند في القرن الحادي عشر الهجريّ على صورة الشّعر الحرّ، على بحر الرّمل والهزج. [٢]

ويُعرفُ الشّعر الحرّ بعدّة أسماءٍ، حيث يقول الدّكتور إيميل بديع يعقوب، في كتابه (المعجم الفصّل في علم العروض والقافية وفنون الشّعر): "الشّعر المنثور، أو الطَّلْق، أو المنطلِق، أو المحَرَّر، أو قصيدة النثر، تسمياتٌ مختلفة لنوع من الكتابة النثريّة تشترك مع الشّعر في الصّور الخياليّة، والإيقاع الموسيقيّ حينًا، وتختلف عنه في أنظمة الوزن والقافية، والوحدات. ومنهم من يُسمّي هذا النّوع من الكتابة في الشّعر، الشّعر الحرّ، غير فاصل بينها وبين شعر التّفعيلة. وأكثرهم يميّز بين هذين النّوعين" ومن أهمّ روّاد هذا اللّون الشّعريّ: محمّد الماغوط، وجبرا إبراهيم جبرا، وتوفيق صايغ، وشوقي أبو شقرا، وأنسي الحاج. وقد شاعت هذه الكتابة في لبنان، في مطلع الخمسينات.[٣]


القافية في الشّعر الحرّ

تُعتبر القافية شرطًا أساسيًّا في القصيدة العربيّة، ولم يُستغنِ عنها على امتداد التّطوّر التّاريخيّ للقصيدة العربيّة، إلى أن وصل التّطوّر في الشّعر الحرّ إلى إرسال القوافي إرسالًا تامًّا، وقد أشار (ابن سينا) إلى مفهوم القافية، بقوله: "فلا يكاد يُسمّى عندنا بالشِّعر، ما ليس بمقفّى" وقد اختلف علماء العرب في تحديد مفهوم القافية؛ فمنهم من كان يرى أنّ القافية هي البيت الشّعريّ، ومنهم من كان يرى أنّ القافية هي القصيدة برمّتها، وعرّفها الخليل على أنّها: " ما بين آخر حرف من البيت إلى أوّل ساكن يليه مع المتحرّك الّذي قبل السّاكن" وقال في تعريف القافية، في سياق آخر: "ما بين السّاكنين الأخيرين من البيت مع السّاكن الأخير فقط". [٤]

ومن الجدير بالذّكر، أنّ الشّعراء لم يهملوا القافية في القصيدة الحرّة، بل طوّروها لتكون أكثر مواتيةً للبناء المركّب في القصيدة الحديثة، فعندما ظهرت حركة الشّعر الحرّ، عام 1949، أصبح الشّعراء ينوّعون في القوافي، دون نظامٍ محدّد، فالشّاعر يغيّر القافية فجأةً، ووقتما يشاء من دون الالتزام بشكلٍ معيّن، ولا بمقاطع متساويّة.[٥]

وقد ذكرت نازك الملائكة، في كتابها (سايكولوجيّة الشّعر ومقالاتٍ أخرى): "والّذي ألاحظه أنّ للقافية تأثيرًا مباشرًا، في شدّ القصيدة وجمعها في وحدةٍ متكاملة، حتّى تكاد تكون هي الرّابط الّذي يوحّد الأشطر، ولذلك يبدو لي أنّنا عندما نستعمل طريقة القوافي المتجاورة غير المتداخلة، نساعد على صورة ما في أن نجعل كلّ مجموعة من الأبيات مستقلّة عن المجموعة الأخرى".[٦]


الوزن في الشّعر الحرّ

إنّ أساس الوزن في الشّعر الحرّ، كما ترى نازك الملائكة يكمن في وحدة التّفعيلة. وعلى هذا فإنّ النّاظم له الحرّيّة تمامًا في التّنويع في عدد التّفعيلات، أو أطوال الأشطر. على أن تكون التّفعيلات في الأسطر متشابهة تمامًا، فينظم الشّاعر من البحر ذي التفعيلة الواحدة المكرّرة أشطرًا تجري على هذا النّسق:[٧]

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

فاعلاتن فاعلاتن

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

فاعلاتن

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

فاعلاتن فاعلاتن

ويجري على هذا النّسق بحرّيّة من حيث اختيار عدد التّفعيلات للشّطر الواحد، دون الخروج عن القانون العروضيّ للبحر، غير مخالفٍ للسُّنن الشِّعريَّة، الَّتي جرى عليها الشَّاعر العربيّ منذ الجاهليّة.[٧]

ويقول الدّكتور محمّّد بن زاوي في الوزن الشّعريّ في الشّعر الحرّ: "فالوزن العروضيّ موجود، والتفعيلة ثابتة مع اختلاف في الشَّكل الخارجيّ ليس غير، فإذا أراد الشَّاعر أن ينسج قصيدةً ما على بحر معيّن وليكن"الرمل" مثلًا استوجب عليه أن يلتزم في قصيدته بهذا البحر، وتفعيلاته من مطلعها إلى منتهاها، وليس له من الحرّيّة سوى عدم التَّقيّد بنظام البيت التّقليديّ والقافية الموحّدة. وإن كان الأمر لا يمنع من ظهور القافية واختفائها من حين إلى آخر، حسب ما تقتضيه النّغمة الموسيقيّة، وانتهاء الدّفقة الشّعوريّة."[٧]

المراجع

  1. مصطفى حركات، أوزان الشّعر، صفحة 6. بتصرّف.
  2. محمود علي السمان ، أوزان الشعر الحر وقوافيه، صفحة 10. بتصرّف.
  3. الدّكتور إيميل بديع يعقوب، المعجم المفصل في علم العروض والقافية وفنون الشعر، صفحة 295. بتصرّف.
  4. منال نجّار، قراءة براغماتية مقامية لموسيقى القافية وشكلها، صفحة 1559. بتصرّف.
  5. نازك الملائكة، سايكولوجية الشعر ومقالات أخرى، صفحة 72. بتصرّف.
  6. نازك الملائكة، سايكولوجية الشعر ومقالات أخرى، صفحة 78. بتصرّف.
  7. ^ أ ب ت الأستاذ الدّكتور محمّد بن زاوي، الثانية ليسانس.pdf النّصّ الأدبيّ المعاصر، صفحة 3-4. بتصرّف.