عباس بن الأحنف

هو أبو الفضل العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة من بني عدي بن حنيفة، شاعر من شعراء العصر العباسي، يُوصَف بأنه إمام شعره عصره في الغزل العفيف الذي يقوم على الطهارة والعفّة والنقاء؛ فقد كرّس جهوده الشعرية من أجل هذا الغرض في ظلّ مجتمع وعصر ساد فيه المجون والغزل الصريح البعيد عن العفّة، وجاء بقصائد اتسمت بجزالة ألفاظها وعذوبتها في الوقت ذاته، وبذلك استطاع العباس بن الأحنف تخليد اسمه في تاريخ الأدب العربي.[١][٢]


مولد عباس بن الأحنف ونشأته

تذكر الكتب التاريخية والمصادر أنّ العباس بن الأحنف وُلِدَ ونشأ في مدينة بغداد، وهو كالكثير من غيره من أبناء العصر العباسي عاش في بيئة كان المجون والترف هو السائد فيها، لكنّه لم يلتفت إليها كما التفت الكثيرون، بل كان طاهر النفس حَسَنُ الأخلاق، ويُقال أيضًا إنّ العباس بن الأحنف في شبابه اتصل بالرشيد وله معه أخبار كثيرة، كما اصطحبه في رحلة إلى خراسان وأذربيجان وأرمينية، وجدير بالذكر أنّه لم ترد في الكتب تفاصيل كثيرة وواضحة عن ظروف نشأته بدقة وعن تعليمه.[٣][٤][٥]


شعر عباس بن الأحنف

اقتصر عباس بن الأحنف في شعره على القول في فنّ الغزل دون غيره من الأغراض الأخرى، فلم يقل لا في المدح ولا في الهجاء ولا الفخر إلا الشيء النزير، ولم يكن يتقرّب من الخلفاء والأمراء من أجل التكسّب منهم بشعره، بل كانت علاقته بهم علاقة صداقة ومودّة، وتجدر الإشارة إلى أنّ العباس بن الأحنف كثيرًا ما يُشبّه بشاعر الغزل المعروف عمر بن أبي ربيعة، فقد أحسن العباس في هذا الغرض وبرع فيه أيّما براعة، وشهد له في ذلك الكثير من الأدباء والعلماء في عصره وما بعده.[٦][٧]


خصائص شعر عباس بن الأحنف

امتاز شعر العباس بن الأحنف بمجموعة من الخصائص والسمات، من ضمنها الآتي ذكره:[٨][٩]

  • اللجوء إلى التشخيص في الكثير من القصائد، والذي يساعده على التعبير أكثر عمّا يعتريه من مشاعر.
  • الاعتماد على الحوار بوصفه عنصرًا مهمًا في العديد من القصائد.
  • جاءت قصائد العباس بن الأحنف مشحونة بعاطفة جياشة ومسيقى رقيقة تؤثر في المتلقي.
  • استخدام ألفاظ ومفردات تجمع بين الجزالة والرقّة والعذوبة.
  • توظيف صور فنية عميقة تتسم بالحيوية.
  • المبالغة في بعض الأحيان في وصف المحبوبة.


نموذج من شعر عباس بن الأحنف

من النماذج الشعرية الجميلة التي تعود إلى الشاعر العباس بن الأحنف قصيدة غضب الحبيب في الغزل، والتي يقول فيها:[١٠]


غَضِبَ الحَبيبُ فَهاجَ لي اِستِعبارُ وَاللَهُ لي مِمّا أُحاذِرُ جارُ كُنّا نُغايِظُ بِالوِصالِ مَعاشِراً لَهُمُ الغَداةَ بِصَرمِنا اِستِبشارُ إِذ لا أَرى شِكلاً يَكونُ كَشِكلِنا حُسناً ويَجمَعُنا هُناكَ جِوارُ وَكَأَنَّنا لَم نَجتَمِع في مَجلِسٍ فيهِ الغِناءُ وَنَرجِسٌ وَبَهارُ مَا كانَ أَشأَمَ مَجلِساً كُنّا بِهِ تِلكَ العَشِيَّةَ وَالعِدا حُضّارُ مَدَنِيَّةٌ أَمسى العِراقُ مَحَلَّها وَلَها بِزَوراءِ المَدينَةِ دارُ أَدنى قَرابَتِنا إِليها أَنَّنا شَخصانِ يَجمَعُنا إِلَيهِ نِزارُ يا أَيُّها الرَجُلُ المُعَذِّبُ قَلبَهُ أَقصِر فَإِنَّ شِفاءَكَ الإِقصارُ نَزَفَ البُكاءُ دُموعَ عَينِكَ فَاِستَعِر عَيناً لِغَيرِكَ دَمعُها مِدرارُ مَن ذا يُعيرُكَ عَينَهُ تَبكي بِها أَرَأَيتَ عَيناً لِلبُكاءِ تُعارُ الحُبُّ أَوَّلُ ما يَكونُ لِجاجَةً تَأتي بِهِ وَتَسوقُهُ الأَقدارُ حَتّى إِذا اِقتَحَمَ الفَتى لُجَجَ الهَوى جاءَت أُمورٌ لا تُطاقُ كِبارُ وَإِذا نَظَرتَ إِلى المُحِبِّ عَرَفتَهُ وَبَدَت عَلَيهِ مِنَ الهَوى آثارُ قُل ما بَدا لَكَ أَن تَقولَ فَرُبَّما ساقَ البلاءَ إِلى الفَتى المِقدارُ يا فَوزُ هَل لَكِ أَن تَعودي لِلَّذي كُنا عَلَيهِ مُنذُ نَحنُ صِغارُ فَلَقَد خَصَصتُكِ بِالهَوى وَصَرَفتُهُ عَمَّن يُحَدَّثُ عَنكُمُ فَيَغارُ هَل تَذكُرينَ بِدارِ بَكرٍ لَهوَنا وَلَنا بِذاكَ مَخافَةٌ وَحِذارُ مُتَطاعِمَينِ بِريقِنا في خَلوَةٍ مِثلَ الفِراخِ تَزُقُّها الأَطيارُ أَم تَذكُرينَ لِدُلجَتي مُتَنَكِّراً وَعَلَيَّ فَروا عاتِقٍ وَخِمارُ فَودِدتُ أَنَّ اللَيلَ دامَ وَأَنَّهُ ذَهَبَ النَهارُ فَلا يَكونُ نَهارُ أَفَما لِذَلِكَ حُرمَةٌ مَحفوظَةٌ أُفٍّ لِمَن هُوَ قاطِعٌ غَدّارُ سَأُقِرُّ بِالذَنبِ الَّذي لَم أَجنِهِ إِن كانَ يَنفَعُ عِندَكِ الإِقرارُ ما تَأمُرينَ فَدَتكِ نَفسي في فَتىً ما تَلتَقي لِجُفونِهِ أَشفارُ



وفاة عباس بن الأحنف

اختلفت المصادر في تحديد التاريخ الدقيق لوفاة العباس بن الأحنف، فقد قيل إنّه كان بين عامي 192 هـ و193 هـ، كما قيل إنّه توفي عام 198 هـ، وكان حينها يبلغ من العمر ما يقارب السّتين عامًا.[١١][١٢]

المراجع

  1. عمر فروخ، تاريخ الأدب العربي، صفحة 140. بتصرّف.
  2. محمد عمر أبو ضيف، عاطفة العباس بن الأحنف وأثرها في صور شعره الغزلي، صفحة 9-10. بتصرّف.
  3. جهاد العملة، في شعر العباس بن الأحنف دراسة نحوية دلالية.pdf?sequence=1&isAllowed=y الحذف في شعر العباس بن الأحنف، صفحة 20. بتصرّف.
  4. إبراهيم الذوادي، الأساليب الإنشائية في ديوان العباس بن الأحنف، صفحة 17. بتصرّف.
  5. عمر فروخ، تاريخ الأدب العربي، صفحة 140. بتصرّف.
  6. جهاد العملة، في شعر العباس بن الأحنف دراسة نحوية دلالية.pdf?sequence=1&isAllowed=y الحذف في شعر العباس بن الحنف، صفحة 21. بتصرّف.
  7. إبراهيم الذوادي، الأساليب الإنشائية في ديوان العباس بن الأحنف، صفحة 22. بتصرّف.
  8. محمد الخوالدة، حسام اللحام، التصوير الاستعاري في شعر العباس بن الأحنف، صفحة 3. بتصرّف.
  9. محمد عمر أبو ضيف، عاطفة العباس بن الأحنف وأثرها في صور شعره الغزلي، صفحة 53-60. بتصرّف.
  10. "غضب الحبيب"، الديوان. بتصرّف.
  11. عمر فروخ، تاريخ الأدب العربي، صفحة 140. بتصرّف.
  12. إبراهيم الذوادي، الأساليب الإنشائية في ديوان عباس بن الأحنف، صفحة 30. بتصرّف.